جوانب مضيئة من شخصية الشيخ محمد أمين زيد الكيلاني

اخبار الناس.بقلم :أ.د هاني العمد :

نحتفي في هذا اليوم المبارك بفضيلة الشيخ الأستاذ محمد أمين إبن فضيلة الشيخ محمد فهمي إبن فضيلة الشيخ مصطفى زيد القادري ، نسبة إلى قطب التصوف عبد القادر الجيلاني أو الكيلاني. والشيخ مصطفى هو مؤسس عائلة الكيلانية بمدينة السلط، التي قدمت إلى المدينة من قرية (يعبد)، مروراً بمدينة (نابلس)، وذلك في منتصف القرن التاسع عشر أو قبل ذلك بقليل. والشيخ محمد أمين هو سليل هذه العائلة، وإمام مساجد السلط ومفتيها ومرشدها وفقيهها. ويعود له ولعائلته الكريمة الفضل في تمكين الدين الإسلامي في المدينة وتمتينه، عملاً وممارسة.
فمنذ تخرج في مدرسة السلط الثانوية في العام الدراسي 1945- 1946، وكان من زملائه: أحمد اللوزي وعدنان لطفي عثمان وسليمان المشيني ويحيى الخطيب وفتحي عبد الرزاق السيد ومحمد نمر وهبه وهاشم صالح مسمار وتوفيق الحياري واحمد فوزي وغيرهم. ومنذ نهاية المرحلة الثانوية، أخذ يعمل في تدريس الأجيال. وقد بقي يعتز بمهنة التدريس طوال حياته وما يزال. بدأ الدراسة الجامعية الشرعية في جامعة دمشق، وبعد ذلك عُيَّن مديراً لمدرسة السلط الثانوية 1964- 1966، ثم مشرفاً تربوياً، ثم رئيساً لقسم التوجيه، فمساعداً لمدير التربية والتعليم في محافظة البلقاء، ثم عٌيِّن مستشاراً لوزير التربية والتعليم، إلى أن أحال نفسه على التقاعد عام 1981. وما لبث أن عُين مديراً في كلية المجتمع الأردني، مدة أربع سنوات. وفي عام 1991 كلّف بالإشراف على المدرسة الشرعية.
وتكريساً للخطاب التربوي عند الشيخ أمين، الذي كان مقترناً بالخطاب الديني والاجتماعي، فقد قام بتأسيس جمعية السلط الخيرية عام 1961 بالتعاون مع مجموعة من أهل البر والإحسان، كان منهم: الشيخ عبدالله زيد الكيلاني والحاج محمود الحياري والحاج سالم الخلايلة، والحاج عبد الرحمن الرشدان، والحاج ناجي الشامي والشيخ عاطي باكير وآخرين، وكان على رأس المشاركين في جمع التبرعات لإقامة بنائها. وقد عاصرنا عطاء هذه الجمعية، التي قامت منذ تأسيسها بنشر العلم، وذلك بفتح المدارس الليلية والنهارية لتعليم الأميين والأميات من جميع الأجيال، وتأسيس روضات الأطفال وإيفاد البعثات العلمية إلى الأزهر الشريف وغيره من المعاهد الدينية الراقية. وكان من أهداف هذه الجمعية مكافحة الفقر والمرض، والتخفيف من مصاب العائلات المنكوبة، وإسعاف المرضى، وإصلاح ذات البين وحسم النزاع بين الأفراد والعائلات. والخلاف بين الناس، وإلقاء المحاضرات التي تتضمن الوعظ والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنشاء المشاريع والمشاغل الإنتاجية، وفتح دور الحضانة، وفتح مؤسسات لرعاية ذوي الإعاقة ، وتعد مبرة الأمير عبدالله الثاني لليتامى أحد أبرز إنجازات الشيخ أمين. وكذلك جمعية الهلال الأحمر. وقد عمل على إنشاء الجمعيات الخيرية في المحافظات، حتى أصبح رئيساً لاتحاد هذه الجمعيات. وبدافع من الوازع الديني عنده، فقد تبنَّى عدداً من أفراد بعض العائلات، فألحقهم بالمدارس واعتنى بهم تربية وتعليماً، وبرع بعضهم في العلم حتى أن أكثرهم تخرج في الجامعات .
ولشيخنا تاريخ مشرف في العمل الاجتماعي وإصلاح ذات البين . ومدينة السلط، كما نعلم تحتاج إلى مثل هذا العمل. إذ أن مشاركة الناس فيما يحتاجون إليه أمر حتمي. ولا نجد جاهة تسعى إلى مصاهرة أو لعقد قران أو طلب معونة لمشروع خيّر، وفيه مصلحة اجتماعية أو إنسانية إلا ويكون الشيخ أمين على رأسها. وكان الناس وما يزالون يعتقدون في صلاحه ودينه وخلقه، ويعتبرون وجوده في المدينة بركة حلّت عليهم. وكان يدعو في خطب أيام الجمعة إلى الإصلاح والصلاح، وتهدئة النفوس عند فوران الدم، وغليان الأنفس لأخذ الثأر، مذكراً بما ورد في ذلك من آيات كريمة، ومستشهداً بما كان يتخلق به الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الشأن.
وأعلمني – أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية- أنه في إحدى خطب يوم الجمعة من سنة 1959، ومن على منبر المسجد الجامع، طالب الحكومة بعدم قطع المياه عن أحياء عمان، واستعمالها لفرقة التزلج الأجنبية التي قدمت إلى العاصمة. وصاحب ذلك، رفعُ برقية لرئيس الوزراء بالاحتجاج على ذلك الصنيع احتجاجاً شديداً. فما كان من المحافظ آنذاك إلا زجَّ بالموقِّعين على العريضة في السجن، وكان منهم الشيخ أمين، وإلى جانبه المرحومين: الحاج شعبان العطيات والحاج محمد علي العناسوة والحاج يوسف الزبن والحاج محمود الحياري والسيد نايف أديب الكايد. وغيرهم، حيث أمضوا فيه أسبوعاً أو أقل قليلاً.
ولا ننسى في هذا المجال جهوده المشكورة والمعروفة في إسكان اللاجئين الفلسطينيين في عام 1967 وما يزال أهل المدينة يتذكرون قصة الفتاة التي نسيها أهلها إبان حرب الـ 67، فتبناها الشيخ الفاضل، وظلت تنال الرعاية في كنفه حتى تعرّف إليها أهلها،
ورُدَّت إليهم عروساً. وما تزال المدينة تتذكر كثيراً من الحكايات التي تدل على ما يتمتع به من خلق رضي وشفقة معروفة وإحسان يزيد عن الحاجة.
لقد كانت مشاركة الشيخ الكريم في لجنة المصالحة بين الفدائيين والجيش في أيلول عام 1970 أكبر الأثر في إبعاد مدينة السلط عن الوقوع في كارثة دموية لا يعلم أحد حجمها إلا الله، فقد كان حريصاً على رأب الصدع والمؤاخاة والتصافي بين الأخوة والأهل. ولم تخلُ
خطبة من خطب أيام الجمعة في هذه الآونة من الدعاء إلى الله أن يجنب البلاد الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يزرع المحبة في القلوب المؤمنة.
وما تزال هذه المواقف على ألسنة الكبار والصغار والأمراء والقادة. وعلى اعتبار أنه وجه كريم من وجوه المدينة. فقد كان يحرص على تقديم النصح والمشورة والإرشاد للسادة المتصرفين والحكام الإداريين والمحافظين، مثلما كان ينتصر لأهل المدينة. ولم تفته شاردة ولا واردة من مشكلات المدينة ، إلا ويكون من بين المجتمعين لإيجاد حل لأزمة من الأزمات.
وكنت أشاهده وهو يخرج من مجالس اللغو والثرثرة والشتائم ترفعاً، ولاسيما عندما يسمع الكلام الذي يؤخر ولا يقدم. وكان حريصاً على صلة الرحم وزيارة الأقارب وأهل العزاء، وغير ذلك من المناسبات الاجتماعية والرسمية.
وإذا كان قد ورث عن آبائه وأجداده الشغف ببناء المساجد وعمل كل ما فيه سعادة الناس وصلاحهم، فإنه ورث عنهم الخطابة والإمامة. فقد كان خطيب المسجد الكبير لسنوات طويلة، حيث شهد هدمه مرتين لتوسعته وتجميله، وبنائه البناء الذي يليق بأعرق مساجد الأردن.
وعند شيخنا الطيب، انجذاب روحاني للشيخ نعمة الصلتي المدفون بمقبرة العيزرية، فضلاً عن تعلقه بالأنبياء والصالحين ورجال الله. وقد كنت أشاهده وهو يزور قبر الشيخ نعمة ويقرأ الفاتحة لروحه، قبل أن يمر على مدافن من آبائه وأجداده، وكان هذا شأنه في كل يوم جمعة، حيث كان يزور مدفني النبي يوشع والنبي جادور، سواء أكان الجو معتدلاً أم بارداً أم ماطراً.
ولا ننسى في هذا المقام الإشارة إلى إشرافه المباشر على بناء سبعة عشر مسجداً، بناءً وشراء أراضٍ وصيانةً؛ منها مساجد الأنبياء والأولياء والصالحين، سواء بمدينة السلط، أو في القرى المجاورة، من مثل: الصبيحي وسيحان وعيرا ويرقا، وغيرها. ومن يسعى إلى بناء بيوت الله يكن قد ساعد في نشر الدين الإسلامي. وتثبيت أركانه. وبهذه المناسبة أكد لي بعض الأخوة الذين كانوا وما يزالون على معرفة تامة بالشيخ أمين، أنه يعد قطباً من أقطاب التصوف، وهو وريث الطريقة القادرية. وقد طلب مني الأستاذ سليمان المشيني أن أقدم في زميله في المدرسة، هذه الشهادة. يقول أبو إبراهيم:
كنت وفضيلة الشيخ أمين ننظم الشعر، ونحن على مقاعد الدراسة في مدرسة السلط الثانوية، وكان يتذوق ببراعة أشعار كبار الشعراء العرب. ولكنه ترك النظم عندما اتجه إلى الإمامة والخطابة والتفقه في الدين. وبصفتي مواطناً من مواطني السلط، أرى أن كل ما صدر ويصدر عن الشيخ أمين، يقول الأستاذ سليمان المشيني، وبمعزل عن المبالغة، مثال يحتذى في الخلق والأخلاق والترفع عن الدنيويات. وكان وما يزال وفياً للمبادئ التي تربَّى عليها من آبائه وأجداده، فهو يقول ويفعل. وفي كل ما يصدر عنه يعد قدوة حسنة. وما قدمه لمدينة السلط من مشاريع تعليمية واجتماعية ومهنية تعجز عنه المؤسسات الحكومية. وأعمال الخير في مؤسساته ما زالت تنمو وتكبر، وما تزال قائمةً، وهي خير شاهد على ما أقول. كما كان في طليعة المجتهدين وأصحاب النظرات الصائبة. ولعل المدينة جنت ثمرات جهوده على مر نصف القرن الماضي.
ويقول الأستاذ القاضي الدكتور محمد أبو حسان:
هذا رجل يعز نظيره خلقاً وصلاحاً وتألهاً. وهو صاحب الأعمال الإنسانية وأنموذجاً لأعمال الخير التطوعية، يقدِّم الخير للناس كافة سعياً لكسب رضا الله سبحانه وتعالى ليسعد بها الآخرون، ويجعلهم يشعرون بالأمن والأمان والاستقرار، استمراراً لما قدمه الآباء والأجداد من عائلة الكيلاني الأماثل، مِنْ تفقيه الناس بدينهم، والابتعاد عن الخرافات والتشوهات التي ورثوها عن الأجيال السابقة. ومنذ البداية، إتبعتْ هذه العائلة عدة طرق للنهوض برسالتها السامية، وأقصد بذلك التعليم والتوعية بحقائق الإسلام عن طريق الإمامة والخطابة والوعظ في المساجد والمحافل الأخرى، وتدريس الناشئة في الكتاتيب، وكذلك عن طريق الأعمال الخيرية. ويعود لشيخنا الأستاذ محمد أمين، الفضل في توعية الشباب بأهمية الإسلام ودوره المحوري في تقدم الأمة ونهضتها، والتأكيد على مبادئها السامية، تماماً كما كان آباؤه وأجداده، الذين كانوا سباقين في استشراف المستقبل ورسم طريق النهضة، التي نجني ثمارها هذه الأيام.
لن تفي هذه الكلمات ولا الخطابات سماحة الشيخ محمد أمين زيد الكيلاني حقه فيما قدم لمدينة السلط وغيرها من المدن الأردنية وقراها. فقد كان وما يزال ظاهرةً فريدةً من نوعها، فهو صاحب الأعمال الخيّرة والخلقِ والسماحةِ المتأصلة والمشيخة التي لا ينضب عطاؤها. متّعه الله بالصحة والعافية ومدَّه بطول العمر، ليستمر عطاؤه، وينشر بركته على المدينة وما حولها.
إنه سميع مجيب الدعاء
والحمد الله حمد الشاكرين

* من احتفالية تكريم الشيخ الكيلاني

التاريخ :




التعليقات

العنوان : الفاتحه
الاسم : belal aldaradkah
التعليق : انا لله وانا اليه راجعون رحم الله الشيخ امين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العنوان : الفاتحه
الاسم : belal aldaradkah
التعليق :انا لله وانا اليه راجعون رحم الله الشيخ امين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :