جِلُول قصة هذه القرية وأهلها



اخبار الناس. كتابة وتصوير مفلح العدوان


هناك في جِلُول، غرب طريق المطار، وشرق مأدبا، وبمحاذاة بقية قرى الطيبين من بني صخر، ما زلت ألملم تفاصيل الحكاية التي تبدأ من هذه القرية، والأماكن المحيطة بها، لتمتد بعدها، شرقا، نحو الجوف، ووادي السرحان، ترتحل الى هناك، لتكتمل خيوط القدر، والحكاية في غرايس، حيث قتل هناك الشيخ حتمل.
أعود الى جلول الآن، بعد أن كنت كتبتها قبل عدة أشهر، ولكن (بوح القرى)، يبقى يهجس بتلك الحكايات المحتجبة في بعض القرى التي كان المرور عليها، ولا ضير من العودة اليها، حين يكون هناك حديث جديد أو معتق حولها.. وها أنا أصل جلول بخيالي مرة أخرى، وأستحضرها كما روائي يستجلب فكرة قصصه، لكن قصة هذه القرية وأهلها، ليس من وحي الخيال، بل من رحم الواقع الذي كان.. أعود معها عشرات السنين، ويعود معي ساردا تلك القصة، حفيد أجداد هذه القرية، هو معي: السيد حتمل هويمل حتمل الزبن (ابو مناور).. وهو الآن ينثر سرد بعض تفاصيل حكاية مضى عليها فيض من الزمان.

الرحلة
يقول أبو مناور (حتمل هويمل حتمل الزبن): الشيخ حتمل بن مناور الزبن من شيوخ وفرسان بني صخر، قام برحلة التشريق الى منطقة الجوف كعادة أهل البادية، وخاصة بني صخر في ذلك الوقت، حيث كانت قبيلة بني صخر تقوم بالرحيل في فصل الشتاء الى تلك المنطقة طلبا للرعي والماء، ويتركوا أراضيهم حتى موسم الصيف، لحين نضوج الزرع فيها. وكانوا أثناء رحيلهم، وعلى عادة البدو، يقومون بالاستراحة بين كل مسافة من أجل الراحة لهم، ولكي يلموا ماشيتهم. ولكنهم عند وصولهم الى منطقة غرايس شمال شرق الجوف، تم الهجوم عليهم بما لا يقل عن ألفي فارس من القوات الوهابية، وتم قتلهم عن بكرة أبيهم، ولم ينج من هذه المجزرة إلا النساء وبعض العبيد والأطفال التالية أسماؤهم: هويمل بن حتمل، وعكاش بن حتمل، وخلف العويصي، وراجب بن ذوقان، وعلي بن مثقال الفايز حيث أن والدته هي ابنة الشيخ حتمل وكانت مع أبيها وتم الاستيلاء على كل المواشي والبيوت والممتلكات. وقد عرف عن الشيخ حتمل الشدة والبأس وقوة التحمل والكرم، وهناك قصص كثيرة حوله، وكذلك شعر وقصيد بهذه الصفات، كما أنه كان كثير الزواج، وموفور المال، رحمه الله.

مجزرة غرايس
غير أننا سنتتبع تداعيات هذه القصة المأساة، في وقت كانت فيه بدايات تشكل إمارة شرق الأردن، وكانت الحدود بين السعودية والأردن مُختَلَفٌ عليها، وغير مُرَسّمَة، إضافة الى ما يتوافر من معلومات حول المعاهدات والاتفاقيات في تلك الفترة لمعالجة ترحال البدو، والقبائل، في منطقة، دأبوا منذ مئات السنين على العيش فيها، والتنقل في محيطها، دون أن يكون هناك حدود، وفصل، وتقسيم.
تقول بعض الوثائق أن هذه الغزوة، والمجزرة، وقعت في شهر شباط من عام 1928م، حيث «قام فرحان بن مشهور الشعلان، وهو أحد قادة الاخوان، بهجوم دموي على عرب بني صخر النازلين بمنطقة غرايس شمال شرقي الجوف، بعدد من أفراد قبيلة الرولة وعتيبة، فقتل شيخ الزين، وابنه، وحوالي 88 آخرين، فالشيخ حتمل حين دخل الحدود النجدية بعهد من الإمام عبد العزيز، وقد دفع الزكاة. ولكن ابن مشهور كان من المنشقين على الامام بسبب منعه الغزو على الاخوان، وبذلك لم تسلم نجد ذاتها من غزواته، فقد هاجم قبيلة شمر والشرارات، وقد أرسلت الحكومة البريطانية مع مبعوثها السير جلبرت كلايتون احتجاجا، فطُلب في تلك الفترة تهدئة الموقف وطمأنة بني صخر على مفقوداتهم».

أسماء القتلى
وفي مصدر آخر، يتم ايراد الموقعة، مع أسماء بعض الذين قتلوا فيها، حيث يشار الى أن «الموقعة الثالثة بين بني صخر والوهابيين، هي (يوم غرايس) 1928م في وادي السرحان، وقاد الوهابيون في هذه الموقعة فرحان بن مشهور من الرولة، وقد هاجم الوهابيون بني صخر والشرارات، وقتل من بني صخر في هذا اليوم حوالي ثمانين رجلا نذكر منهم: حتمل بن مناور الزبن، غصاب الجباهين/ من المطيرات، حامد الشروع/ من المطيرات، ذوقان سلمان القيظي/ من المسلم، الادهام الخطيب المناور الزبن، صقر حتمل مناور الزبن، نومان العيطان/ من الهقيش، ضافي الطلاق/ من الزبن، ذعار الطلاق/ من الزبن، عقاب الطلاق/ من الزبن، قفطان الطلاق/ من الزبن، عجاج الطلاق الزبن، رافع حتمل الزبن، حمدان الصبيح، ذوقان النوفل/ من الزبن، دعاس الطلاق (عبد القمعان)، أحمد أبو طالب (وهو تركي الجنسية، كان يعيش في بيت ذوقان البطحي).
ويرد في مصادر أخرى، أسماء آخرون من القتلى في هذه الواقعة، ومنهم كذلك كل من «حرب الصبيح، رضيمان حرب الصبيح، هطيلان خليف الرثعان الصبيح، دعاس القنها القيضي المسلم، خضر النيف الهقيش، الادهم فهد الفهار الزبن.

حديث الشعراء
وقد تم توثيق هذه الحادثة شعرا، حيث وثقها الشعراء من أهل البادية، وقالوا فيها قصائد، حيث  نجد واحدا من شعراء بني صخر يكتب قصيدة في يوم غرايس، يقول في بعض ابياتها ما يلي:
صارت علينا ثلاث اكوان               واللي جرى يشيب العيني
الكون الاول على الفلحان              والكون الثاني ع العثاميني
والكون الثالث على الهقشان               وهدموا عوير البياتيني
وذبحو حتمل هو ونومان                  هيل البيوت العزيزيني
وذبحوا ضافي هو وقفطان                يا ويلنا ما بقي شيني
وذبحوا الأدهم ريف الجيعان              يا ويلكم يا المساكيني
وفي القصيدة عوير البياتيني تعني كثير من البيوت، وما بقي شيني أي لم يبقى شىء، وريف الجيعان كناية عن الكرم.
كما ترد غرايس وما حدث فيها من قتل، عند الشاعر مفلح القفعان المسلم الصخري، حيث يتذكر ما حصل في يوم غرايس بعد عام، حين جاءه أحد أفراد قبيلة الشرارات، واصفا له العشب والربيع في غرايس، فقال الشاعر الصخري آنذاك:
غرايس لو عشبها كيهوم         ماهي مريّة على الذودي
ذبحوبه من النشاما غلوم        من عقبهم يقصر الجودي
في فعلهم ما عليهم لوم          مار ان الكثرة لها زودي
وعسى غرايس مطرها حسوم     وعساه ما تنبت العودي

برقية
لم يكن مقتل الشيخ حتمل، ومن معه في غرايس، حادثا عاديا، وعابرا، بل كانت له أصداء على جميعالأطراف في تلك ا لمرحلة وهنا يمكن الإشارة الى ما ورد في البرقية رقم 4-7-530 وتاريخ 19/فبراير/1928م، والمرسلة من الأمير عبد الله بن الحسين مؤسس إمارة شرق الأردن الى اللورد بلومر يصف بها هذه الحادثة حيث جاء في نص الوثيقة: وما تقشعر له الأبدان، الصورة التي كان عليها مقتل حتمل بن زبن فقد حدثنا الذي شهد المعركة أنه بعد ما هوى الشيخ حتمل من جواده وصرع ابنه الى جانبه انقض هؤلاء الهمج عليهما فاحتزوا رأس الغلام وعيون والده تنظر ثم انتقلوا الى الوالد فخلعوا كتفيه بأيديهم قبل أن يسلم روحه.

ألف هجان
كما يمكن تتبع ما ورد حول الحادث في كتاب أخبار ووثائق أردنية في صحيفة فلسطين 1923-1931م/الجزء الأول-جمع وإعداد الدكتور زهير غنايم والدكتور جورج طريف، حيث يرد في العدد 1059، تاريخ 24 شباط 1928م، ص1+4، من جريدة فلسطين،ما يلي: جاءتنا أخبار شرق الأردن بنبأ هجوم فيصل الدويش، بألف هجان وثلاثمائة فارس من رجاله، على عشيرتي الزبن والهكيش من عشائر بني صخر الضاربة على بئر باير وقتله الشيخ حتمل شيخ عشيرة الزبن وولده، وثلاثين عائلة من عشيرته، وعشرين عائلة من الهكيش، وبعد أن ذبح النساء والأولاد والشيوخ، ونهب المواشي والبيوت تاركا من رجاله مئتي قتيل ومن العشيرتين المهاجمتين 120 قتيلا. ووجه الغرابة في هذا الحادث، أن يكون فيصل الدويش ورجاله على حدود إمارة شرق الأردن في حين تشير برقيات لندن والعراق ووزراة المستعمرات الى وجودهم على حدود العراق وإلى أن الطيارات الانجليزية ما تزال تلاحقهم وتنزل بهم الويل
ثم يستمر المقال بعد ذلك في التحليل، وسرد الأمثلة، وكيفية تعامل بريطانيا مع تلك الحالات الى أن تكون الخاتمة.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :