قرية الفيحاء.. إنها «المصلوبية»


اخبار الناس.كتابة وتصوير: مفلح العدوان

السر ليس بعيدا عنا، يسكن بيننا، نشتاقه فنتبع خطاه.. السر يعشق المكان، وها هي الخطوات تسير بي نحو قرية أخرى، حيث قصة مختلفة، وسر آخر، ومخطوط عتيق أتوق للكشف عنه، لسبر دروبه، لنبش تفاصيله الأولى، وتجلياته الحاضرة.
السر هذه اللحظة ينتظرني غرب مادبا، يا لمادبا كم فيها من فسيفساء أسرار لا تنتهي، ويا لقراها كم تحتجب فيها من حكايات وسواليف الطيبين التي لا أمل سماعها، وها أنا أتجه الى حكاية أخرى تنتظرني في قرية الفيحاء، غرب مادبا، التي كانت ذات زمن تسمى المصلوبية، يشاركني في حالتي ورحلتي هذه الصديق المبدع منصور شيحان، أما مرافقي، ودليلي، ومضيفي، في الفيحاء فهو الدكتور عبد الحميد خلف حامد الأزايدة، الذي جال بنا، وتنقل معنا في دروب القرية، وأطلعنا على مناطقها، وأحيائها، وجبالها وأوديتها وبيوتها، مبتدئا حديثه عنها بتحديد موقعها، قائلا بأن الفيحاء تقع غرب مأدبا، التي لا تفصلها عنها إلا بضعة كيلومترات، وحدودها من الشمال سيل الكنيسة، ومن الغرب سويمة، ومن الجنوب سيل ماء عيون الذيب، ومن الشرق حدود مأدبا. وهي القرية التي اسمها الآن الفيحاء، بينما اسمها الأقدم فقد كان المصلوبية، إذ أنه (قبل حوالي خمسطعش السنة تغير اسمها من المصلوبية الى الفيحاء بقرار اداري من المتصرفية في مادبا).

الدولمانز
يعشق صديقنا الدكتور عبد الحميد الأزايدة قريته الفيحاء، فيتحدث عنها بحماس ومحبة ودفء وانتماء، وقد كان يحاول ان يرينا، في مسيره معنا، أكبر قدر من مناطقها وأمكنتها، حتى أن بعض المواقع التي كانت وعرة، وهناك صعوبة في الوصول اليها بالسيارة، كان يسير معنا مشيا باتجاهها، خاصة مواقع قبور الدولمانز المنتشرة في سفوح الجبال والأودية فيها، وبأعداد كثيرة. حين وصلنا تلك القبور، كان الدكتور عبد الحميد يتحدث بأسى عنها، وعن عملية التكسير والتخريب التي طالتها بايدي العابثين والباحثين عن الدفائن، الذين عاثوا فيها نبشا، وتهديما، وكأنها مجزرة كانت تمارس ضد هذه الآثار الموغلة في القدم، حتى أن بعض حجارتها تم نقلها لتكون جزءا من أسوار وجدران الحقول المحاذية لها.

رفيعة.. وجازل
نتجاوز تلك القبور وقلوبنا مثقلة بالحزن على هذا الدمار الذي حل بها، لكننا بين فترة وأخرى نتوقف قليلا، ونستمع الى الدكتور عبد الحميد الذي بدأ يشرح لنا عن خريطة القرية، آخذا بسرد جوانب من توزيع مناطق الفيحاء، التي تتبعها بسلاسة على النحو التالي: «منطقة أم غدران، تقع في منتصف الفيحاء، وهي أعلى تلة مطلة على الغور، وهناك بدأ الاستقرار لقبيلة الأزايدة. أما منطقة الدير، فهي المكان الذي يحتوي على معالم أثرية، وقبور قديمة. كما توجد أيضا منطقة شرق مزار رفيعة، وهذه رفيعة هي ولية صالحة من قبيلة بلي مدفونة في هذا المكان. ويوجد كذلك قبور دولمانز منتشرة بكثرة في المنطقة. وهناك كذلك منطقة المدارس. وأيضا منطقة رجم الجازل، ويشار هنا الى أن جازل هو ولي صالح من عشائر بلي القديمة، وقد كانت هذه العشائر تسكن هذه المنطقة. كما توجد أيضا في الفيحاء منطقة أم الذهب التي تحتوي الآن على مباني الترخيص ومعها مباني لكثير من الدوائر الحكومية».

حوض المُسَبّح
وفي سياق المكان، ومساحاته، وأحيائه، نستل ما كان كتبه المرحوم الباحث ركاد نصير في كتابه (المعاني اللغوية لأسماء المدن والقرى وأحواضها في المملكة الأردنية الهاشمية)، وقد كان بذل جهدا جادا وحقيقيا في اخراج هذاا لكتاب بمعلوماته القيمة، حيث أورد حول قرية الفيحاء، وأحواضها، ومعاني تسمياتها، ويشير الى معنى الفيحاء بقوله «الفيحاء: الواسعة في الدور والرياض ونحوهما: الحساء مع التوابل». ثم بعد ذلك يكمل سرد أحواض قرية الفيحاء بقوله: «حوض الجازل: جزل الشىء: قطعه قطعتين. والجزل: الحطب اليابس، الحطب العظيم أو الغليظ منه؛ والجزل: صوت الحمام. حوض المُسَبّح: كساء مُسبّح: قوي شديد، معرّض. حوض المصلوبية: المصلّب: ما فيه نقش على صورة الصليب؛ الموسوم بالصليب؛ والناقة مصلوبة من إبل مصلّبة. حوض أم غدران: الغدير: قطعة من الماء يغادرها السيل؛ السيف؛ القطعة من النبات. حوض الحُمّرة: ضرب من الطير كالعصافير، والحُمّر: (الإسفلت)، معدن جوهر لماع أسود، يسمى عند العرب صبغ الجنائز لأنه يستعمل في تحنيط الموتى، والحمرة: ما لونها أحمر».
أما الباحث محمود سالم رحال في كتابه (المشترك السامي في أسماء ومعاني المدن والقرى الأردنية)، فيكتب عن الاسم الأقدم للفيحاء، وهو المصلوبية، موضحا معناها على نحو أن «المصلوبية من قرى مأدبا الغربية» ويضيف تفصيلات حول المعنى تفيد أنها في المشترك السامي كلها تحيل الى «مصليب: صليبي الشكل، بصورة صليب. متقاطع. متصالب» وبالآرامية «صليفا، صليبا: صليب» وبالعربية «صلب: جعله مصلوبا».

بروغاث
وفي ذات السياق نلاحظ بأن الفيحاء ترد في الكتابات القديمة التي وثقها الرحالة والباحثون تحت مسمى المصلوبية، حيث نقرأ ما كتبه الرحالة هـ.ب. تريسترام في كتابه (رحلات في شرق الأردن عام 1872م) مشيرا الىالمصلوبية بقوله: «ويطلق اسم المصلوبية على كل المنطقة الممتدة فيما بين وادي الذيب وجديد، حيث يعطى الاسم نفسه –أي المصلوبية لعدد من الخرب الأثرية، مما يجعلنا من حيرة حول التعرف على هويتها- أي على اسم كل واحدة. وهناك عدد من الأودية المتجهة نحو الغرب أو الشمال من بينها (بروغاث) الذي يبدأ من موقع فيه كومة أثرية تحمل الاسم نفسه، وهي ذات حجم متوسط. لقد كانت الأطلال التي زرناها في هذه المنطقة، وهي ليست قليلة، مشابهة لبعضها تماما، وهي عبارة عن أكوام من الحجارة تخلو من القناطر والعقود، وربما كان في وسط كل منها قلعة ذات يوم يبدو أنها الأكوام التي كان سكان المنطقة يجمعون فيها الحجارة التي كانت تغطي الأرض، لينظفوها منها ولتصبح صالحة للزراعة. فإذا كانت ثابتة خلت من البناء، وإذا كانت على شكل جدار فإنما يدل على أنها كانت ذات يوم جدار تقوض وانهد».

عيون الذيب
نتتبع حديث الجغرافية، وتضاريس القرية، فيما كتب في المراجع التي وفرت لنا معلومات عنها، وعن جبالها، وأوديتها، وعيون مائها، ونتوقف قليلا عند الدكتور نوفان رجا الحمود السوارية فيما وثقه في كتابه «عمان وجوارها»، الذي أشار في أحد فصوله الى جبال المصلوبية، ضمن استعراضه للمرتفعات الجبلية للمنطقة قائلا بأنه:
«وإلى الجنوب الغربي من حسبان يقع جبل صياغة، وأعلى قمة فيه جبل نبو المشرف على وادي عيون موسى. ويليه جنوبا سلسلة جبال المصلوبية التي تشرف غربا على وادي عيون الذيب وجنوبا وعلى وادي حمارة، ثم تبدأ بعد ذلك جبال ماعين حيث تزداد وعورتها كلما اتجهت جنوبا، وهي في معظمها شبه جرداء».
ويضيف بعد ذلك، خلال عرضه للأودية هناك، متوقفا عند وادي عيون الذيب قائلا بأنه «واد دائم الجريان، يتشكل من أودية المصلوبية في الشمال ومن أودية أم سدرة وعين القطار وعين حماد المنحدرين من مرتفعات ماعين. ويسمى بهذا الاسم بعد أن يمر بعين تسمى عيون الذيب، ويسمى عند مصبه في بحيرة لوط (البحر الميت) وادي امخيرص». وبعد ذلك يذكر في مكان آخر من كتابه بأنه يوجد في المصلوبية 38 من الكهوف والمغاور، كما يمر على ذكر مزار الهدانية الذي يقع قرب عين جديد في وادي جديد الكائن في منحدرات المصلوبية غربي مادبا.



سيرة قرية الفيحاء

تقع الفيحاء (اسمها الأقدم هو المصلوبية) غرب مأدبا، على مسافة 5 كيلومترات تقريبا من مركز المحافظة. وتتبع الى لواء القصبة من محافظة مادبا. وهي من ضمن حدود بلدية مادبا.

الديموغرافيا

يبلغ عدد سكان الفيحاء بحسب التعداد السكاني لعام 2004م 1454 نسمة (765 ذكور و 689 إناث)، يشكلون 220 أسرة، تقيم في 261 مسكنا.

التربية والتعليم

يوجد في القرية المدارس التالية: مدرسة الفيحاء الثانوية للذكور، ومدرسة الفيحاء الثانوية للإناث.

الصحة

يوجد في الفيحاء مركز صحي أولي، ومركز لذوي الاحتياجات الخاصة.

المجتمع المدني

يوجد في القرية جمعية سيدات الفيحاء التعاونية.

يوجد في القرية 3 مساجد

يوجد في الفيحاء (في منطقة أم الذهب) عدد من المؤسسات الحكومية التابعة لمادبا.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :