الميس: في الكرك شجرة ديوان الضيغم


اخبار الناس. د. نزار جمال حداد 

رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين

مدير مديرية بحوث النحل - المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي 


تأبطت أحد أحلامي حول أشجار هذا الوطن، مدونة في قصاصة ورق، ومحملة على ذاكرة إلكترونية، توجهتُ إلى مقر صحيفة الرأي، لعل هذا الحلم يصبح حلما لبعض قراء الصحيفة أيضا بعد مطالعتهم له. وحسبي أن أتمنى أن يَطرُقَ الحلمُ بابَ صانع قرار يُعين على جعله حقيقة. وبينما كنت أصف أشواق المقال للأستاذين حسين دعسه و منذر علم الدين، وإذا بصوت شخص ثالث متوار خلف جهاز الكمبيوتر ولم يبد من محياه إلا بعضا من جبهته التي لوحتها شمس الجنوب، قائلا: " ومتى سيأتي دور الميسة لتكتب عنها". سادت بيننا لوهلة حالة صمت، فأنا لا أعرف الرجل، وقد بدى لي من كلماته وكأنه يدعوني كي أكتب عن معشوقته، والتي يخشى أن يذاعَ سر عشقه لها. عرّفني على الرجل أحد الجالسين، قائلا: هذا الاستاذ محمد القرالة. حياني وحييته. شعرتُ بأنه يريدني أن ألقي نظرة على شاشة الكمبيوتر على معشوقته "الميسة"، تقدمت لأرى، وإذا بها صور لشجرة "الميس". تبادلنا أطراف الحديث حول شجرة الميس وغيرها من الأشجار. غادرت المكان ولم تزل عبارة "ومتى سيأتي دور الميسة لتكتب عنها" لاصقة بذهني.

تُشد الرحال نحو هذه "المعشوقة الخضراء" إلى خربة كفيراز الواقعة على جبل محاط بقرى، هي: عي والعراق والنجاصة ومؤتة، وكانت شجرة الميسة كما يسمها أبناء الهية، المَعْلَم الرئيس للعائدين بعد بيع محاصيلهم في الخليل، يضعونها نصب أعينهم لترشدهم إلى طريق العودة إلى الديار. وخربة كفيرازعبارة عن أطلال تقوم على مساحة بسيطة من الجبل وعلى إرتفاع عن سطح البحر يزيد بقليل عن 1230 مترا، لتشمخ على قمتها شجرتا ميس تاريخيتان، وقدر عمرهما بالأربعمائة عام. وهما ميستان من ثلاثميسات تاريخيات متبقيات في الأردن، حيث تقع شجرة الميس الثالثة في قرية زوبيا في أقصى الشمال، قريبا من المزار الشمالي. و تعتبر أشجار الميس عموما من الأشجار النادرة جدا في الأردن

ولشجرة الميس نصيب من الذاكرة الموروثة في الشعر، حيث وردت في بيت الشعر النبطي القائل:

"يا شجرة الميس بس الليلة ظلينا                   الليلة عندكم وباكر عند أهالينا"

وقد شغلت هذه الشجرة محورا من محاور أحداث ملحمة "ديوان الضيغم" التي تدور أحداثها حول المنافسة بين الشيخ عرار ابن الضيغم وما بين الشيخ عمير بن راشد، وهما من شيوخ عشيرة العمر. فعلى شجرة الميس هذه علق الشيخان غزال المها الذي اصطاداه. وكان محور قصيدة كاملة لا مجال لذكرها في هذه العجالة

واسم شجرة الميس العلمي - Celtisaustralis، وهي من فَصِيلَةِ البُوقِيصِيَّاتِ، وتعرف أيضا بَفصِيلَةِ الدرداريات، وتعتبر شجرة حَرَجِيَّةٌ، وساقها مستقيم، ذات قلف رمادي أملس، يمكن أن يصل طولها إلى أكثر من 30 متراً. خشبها صلب صلد متين. وهي من الأشجار الحرجية متساقطة الأوراق، وأوراقها رمحية الشكل إلى بيضاوية، مسننة الحواف، نهايتها مدببة ومعنقة القاعدة. سطح الأوراق العلوي أخضر لامع، أما سطحها السفلي فيعتريه الوبر، ما يجعل الشجرة تتلون بجمال أخّاذ مع كل نسمة ريح. تزُهر في فصل الربيع، وتظهر وتتفتح في ذات الوقت الذي تظهر فيه الأوراق. أزهار الميس ثنائية الجنس أحادية المسكن، أي أن لها أزهارا مذكرة وأخرى مؤنثة. عند عقد الأزهار تتكون ثمار عِنَبِيَّةَ الشكل، برتقالية اللون لتصطبغ باللون الأسود عند النضج. وطعم ثمارها حلو المذاق تؤكل مباشرة أو مطبوخة على شكل عصير أو مربى. وقد عرف اليونانيون هذه الثمار منذ القدم واستخدموها في الغذاء. وقد وثّق ذلك الفيلسوف والطبيب اليوناني ثيوفراستوس (371 ق.م. – 287 ق.م.). كما عرف الإغريق استخراج أصباغ صفراء اللون من لِحَائِهَا وَجُذُورِهَا. وتعشق الماعز قضم أوراقها. والأوراق والثمار لها خاصية ملطفة، وقد أستخدمها الإغريق والعرب في الطبابة في علاج الآلام المصاحبة للطمث. كما استخدموا عصارة الأوراق في علاج الإسهالات والتلبكات المعوية. ولمتانة خشبها وصلابته، استخدم تاريخيا في صناعة الأقواس، ومقابظ الأدوات الحادة، كما استخدم في صناعة مقابض المعاول.

في هذه العجالة أقول، لعل هذا المقال يكون دعوة من عدة محاور؛ أولها حماية شجرة الميس في زوبيا وشجرتي الميس في خربة كفيراز في لواء عي. أما ثانيها ففي محاولة إكثار هذه الأشجار بمبادرات تتبناها مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص. فلماذا لا يصرف على مشروع كهذا عُشر ما تصرفه بعض الشركات على الدعاية؟ وهي دعوة ليصبح جبل كفيراز مزدانا بشجرات الميس ومنتجعا سياحيا. إن مشهد الغروب من على هذا الجبل لا يُضاهيه أي مشهد آخر.

أكاد أجزم أن العشق المكنون لدى الاستاذ محمد مرتبط  بذاكرة المكان وجماله، وإلا فما الذي دعاه أن يأخذ أطفاله إلى منطقة بحاجة إلى المشي مسافة لا يستهان بها. كما أني أكاد أجزم أيضا أن كل أبناء لواء عي ومؤتة يعشقون هذه الشجرات الخالدات،  فلعل هذا المقال يكون محفزا لنا جميعا لوضع الموقع على الخارطة السياحية والبيئية للأردن.

عدسة: محمد القرالة

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :