الطفيلة عاصمة العرعر الفينيقي!

 


اخبار الناس. د. نزار جمال حداد 

رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين

مدير مديرية بحوث النحل - المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي 


 على الرغم من  مَنْدوحَةُ الخيار وتعدده بين المدن الأردنية، لكن اِنْتَخابَ الطفيلة لتكون عاصمة للثقافة الأردنية لعام 2014 يثلجُ الصدر، ففي "بصيرا" تأسست عاصمة الحضارة الآدومية وعاصمة الشمس لديهم، وهي حاضنة من حاضنات الحضارة النبطية، وفيها ازدهرت الحضارة الثمودية ردحاً من الزمان، وهي عاصمة الكروم "أم الكروم" المكناة (دي تيفلوس) في الحضارة اليونانية. والعيصُ فيها عاش نبي الله أيوب، النبي العربي الذي أفرز له العهد القديم سِفراً كاملاً، فإرثه الأدبي من معالم الثقافات السامية. كما كان للطفيلة مكانتها في العهد المملوكي حيث اطلقوا عليها "ارض الجبال" وعاصمتها رواث

إن امتلاك هذه البُقعَةِ لمقوِّمات متعددة جعلها جاذبة للحضارة والثقافة البشرية منذ العصور الحجرية حيث تشير الدراسات إلى استيطان الإنسان فيها واستغلال مواردها الطبيعية كالنحاس و مادة الطَّفْل وهو المُدخل الرئيس في الصناعات الخزفية. كما امتهن الأنباط فيها الزراعة وإنتاج الزيتون وزيته وزيت السمسم ومربى العنب والدبس والتين المجفف وبخاصة في المناطق المحيطة بحمامات عفرا. وقبل كل هذا وذاك، ومُذ أن تفتَّق فجر التاريخ وشكل البَاري رَحِمَ الطبيعة، خصَّ تعالى الطفيلة بجعلها عاصمة لشجر العرعر الفينيقي (Juniperus phoenicea) في بلاد الشام

ومع تطور العقل البشري للإنسان الأول منذ العصر الحجري وإدراكه للمفاهيم الأولية للنجارة كان لشجر العرعر أثرٌ لا يستهان به في تطور الحركة التجارية والطبية والعمرانية والثقافية على مر التاريخ. حيث ازدهر استخدام خشب العرعر عند الأنباط  في صناعة المنشآت، فدخل في صناعة أسقف المباني، وتميزت العبقرية النبطية في إدخاله كأحد أدوات امتصاص الذبذبات الناجمة عن الزلازل. حيث استخدم خشب العرعر كفاصل بين الحجارة العملاقة لامتصاص الاهتزازات. وخير شاهد على ذلك؛ المعبد النبطي الملقب بـ "قصر البنت" حيث وضعت الواح العرعر كفواصل بين الطبقات مما منع انهياره رغم تعرضه لثلاثة زلازل كبرى عبر التاريخ. كما استخدم خشب العرعر في صناعة الأبواب لمتانته ومقاومته للعوامل الجوية والتسوس.  

هذا واستخدم خشب العرعر لتوثيق المعارف النبطية حيث دونوا كتاباتهم وشؤونهم عليه وقد وجد الشيء القليل من هذه الألواح في الحفريات الأثرية النبطية، إلا أن حفظها تحت التراب أدى إلى تهالك أغلبها. كما استخدم خشب العرعر كمكوِّن رئيس في صناعة السفن التي كانت تبحر من العقبة منذ العصور الغابرة، كما دخل في صناعة المعدات العسكرية في العصور اليونانية والبيزنطية

أما الفراعنة؛ فبردية "إيبرز" ليست إلا أحد الشواهد الجمّة على استخدام العرعر في التحنيط والطب. وقد برع الروَّاد من الأطباء العرب في استخلاص مواد علاجية من العرعر؛ فاستخدمه ابن سينا وابن البيطار وداود الأنطاكي الشهير بالرئيس الضرير. ومن بين الأمراض التي وصفت لها مستخلصات العرعر: تسكين الآلام، كآلام المفاصل والروماتيزم، وشد العضل، وآلام الأعصاب، وأوجاع الصدر، والسعال، والمغص الكلوي، وأمراض القلب، والصرع، والتهابات المسالك البولية، وعلاج الحروق، وعدد من الأمراض الجلدية حيث وصفه العرب لتخفيف آثار التقرحات الجلدية وتقرحات اللثة وعلاج البرص. هذا وتعددت طرق استخدام العرعر وأوراقه و ثماره الناضجة والغضة كذلك، حيث استُعملت المستخلصات معجونة بالعسل وأحيانا مع الماء وأحياناً أخرى مع الزيت والخل وغيرها من الوصفات التي يصعب جمعها في بوتقة واحدة. وقد أكدت علوم العقاقير نجاعة بعض هذه العلاجات، إلا أن زيت العرعر ومستخلصات الأوراق كمضادات حيوية هي الأكثر شيوعًا بين باقي المستخلصات في العلوم الصيدلانية الحديثة.

وتعتبر محافظة الطفيلة ومنطقتا عين لحظة و ضانا خاصة من أهم المواقع التي يقطنها عرعرنا، وتصل أعمار الأشجار إلى 700 عام، حيث ينمو في تجمعات غابيّة كانت ذات يوم غابات متواشجة مع السرو الطبيعي والمسمى محليا ''أرز الطفيلة'' لتشابه شكله مع شجر الأرز إلى حد ما. إلا أن الاحتطاب الجائر لهذه الغابات يجعلها في طريقها إلى الزوال في أغلب المناطق في الطفيلة.

والعرعر من الأشجار المعمرة دائمة الخضرة التي لها ظل ظليل، وساقه متدثر بقشور شريطية ذات جمالية خاصة، وقلف العرعر رمادي ميَّال نحو الوردي. والشجرة عموماً غنية بالزيوت الطيارة، ما يجعل رائحتها أخَّاذة ومنعشة. أوراق العرعر متناهية الصغر تقارب الميليمتر الواحد، حرشفية متلاصقة مركبة، أزهارها أحادية الجنس في فصل الربيع، أما ثمارها فحجمها بحجم حبات العنب الكروية الشكل، لونها أحمر عند نضجها، وهو ما يفسر التسمية المحلية  "العرعر الأحمر" الدارجة بين البعض

لا يؤم النحل أزهار العرعر في الوضع الطبيعي، إلا أن المادة الراتنجية المتشكلة على أغصان وجذوع أشجار العرعر تعتبر كنزا ثمينا بالنسبة للنحل، فمنها يجمع النحل مادة العكبر "البروبوليس"، وهي واحدة من المواد التي تجعلك تنشده بالغريزة الفطرية لدى النحل والتي تبين الإعجاز الإلهي في هذه النحلة وهذه المادة الراتنجية التي تعتبر المعقم الرئيس والمطهر الوحيد لخلية النحل

  إن تبني مفهوم المدن الثقافية يجب أن يكون ذا بعد شامل يؤثر على نسق الحياة عامة في المدينة العروس، فلا يكفي أن تتبنى مؤسسات المجتمع المدني ووزارة الثقافة عقد ورش عمل ثقافية وقراءات لكتب وطبع أخرى على استحياء، بل لا بد أن تتكفل كل مدن الدولة ومؤسساتها ووزاراتها والقطاع العام والخاص لإنجاح الهدف المرنو، وما أروم  إليه هنا كمهتم في الشأن الزراعي والبيئي؛ هو أن نجعل هذا العام الثقافي عام نهضة بيئية زراعية وتنموية فتتوزع مقدرات التنمية بعدالة على رقعة الوطن.

أصبحت المدن الثقافية ديدناً حميداً لوزارة الثقافة الأردنية، وقد كان لهذه الفعالية دور هام في دعم الحراك الثقافي وتأطيره في المدن التي يقع عليها الخيار لتكون عروس الثقافة. وعلى الرغم من الانتقادات اللاذعة التي تتعرض لها هذه الفعالية الهامة؛ إلا أن المقيِّم المنصف سيجد ولو شمعة واحدة أضيئت في عتمة الانكفاء الثقافي. فمستوى التقدم لدى الأمم لا يقاس بمستوى التعليم وأعداد الخريجين فحسب؛ بل بالمستوى الثقافي العام للأمم.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :