مقام الخضر في السلط.. "اللابس الظفر"



اخبار الناس. مفلح العدوان


كأنه منارة تضىء السلط، وهو مقيم منذ زمن بعيد في مكانه هناك.. قداسة تحيطه.. مهابة كأنها هالة تلفه.. موسيقى سماوية تتجلى ترانيم وادعة تتسامى معه.. وإذ صارت المساحة التي باركها الخضر محجا للمؤمنين الراغبين بالقرب من الخضر، صار المكان يعرف بمقام الخضر، والشارع المجاور تباهى بالاسم، والمحيط صار عنوانه "حارة الخضر"، والناس الساكنون قريبا من المقام، هم جيران الخضر.. هناك: مقام، وكنيسة، ومدرسة، وكاهن، ومذبح، وأيقونات، وأجراس، ودعوات الطيبين الصالحين.. ها أنا في مقام الخضر الذي يبوح بسيرة الحكاية، وذاكرة القداسة، وترانيم الصلوات الخاشعة.


حكاية المغارة

كان اللقاء مع كل من الأب مروان طعامنة، والسيد ملهم عيسى حداد، والسيد هيثم تادرس، أمام بوابة المقام صباح يوم الاثنين 24 شباط 2014م، وكان الدخول في البدء الى حيث المقام؛ مغارة تحتضنها كنيسة، وكان المتحدث هو الأب مروان طعامنة، ويتداخل معه ببعض المعلومات كل من ملهم حداد وهيثم تادرس، كما أنه تم تزويدي، وأنا مُستلب لمهابة المقام،  بمجلة عنوانها (كنيسة القديس جاورجيوس-الخضر للروم الأرثوذكس/السلط-الأردن".

قال الأب مروان أن "هذا المقام أنشىء عام 1682م". وقال أن له قصة، رواها لي قائلا: "كان بهذيك الأيام، واحد من بيت حداد، كان يرعى بأغنامه، وتأخر وهو يرعى، ورجع لقلعة السلط بعد الساعة ستة مساء، فما قِدِر يدخل لأن القلعة تغلق أبوابها مساء حتى ثاني يوم صباحا، وما كان منه الا ان أخذ أغنامه والتجأ الى مغارة خارج أسوار قلعة السلط. وفي الليل، ظهر له القديس جاورجيوس، وأخبره أن هذا المكان الذي هو فيه مقدس، وعليه أن يخبر أهله بأن يبنوا كنيسة على هذا المقام.. وفي الصباح ذهب الرجل الى أهله، وأخبر الناس عما كان بينه وبين القديس جاورجيوس، ولما حضروا معه للمغارة، والاغنام أمامها، وجدوا أن الوحوش يحرسون الأغنام، وهي حولها، فأمنوا أن المكان مقدس، وبنوا كنيسة على المغارة".


تاريخ الكنيسة

كما أن هذه القصة تروى في مجلة كنيسة القديس جاورجيوس، تحت عنوان (تاريخ الكنيسة)، على النحو التالي: "كان واحدا من أهل السلط ومن طائفة الروم الأرثوذكس، وكان يحسب من بسطاء الشعب، ومن سذّج المؤمنين، وكان ينتمي لعائلة (حداد) العريقة بأصالتها وتقواها ومواطنتها المثالية. فذات يوم من أيام فصل الشتاء ذهب كعادته يرعى أغنامه في الأحراش الموجودة خارج القلعة، وفي المساء وعندما اقتربت الشمس من المغيب أخذ يحتطب ليعود الى القلعة بحزمة من الحطب يستدفىء بها، فوجد أبواب القلعة مغلقة (تغلق كل مساء ولا تفتح إلا في صباح اليوم الثاني) فاضطر أن يلجأ الى مغارة قريبة من القلعة، واستيقظ في الليل على صوت القديس جارجيوس الذي ظهر لها شخصيا وشاهده كما هو في صورته الرمزية راكبا جواده وبيده الرمح يدوس به التنين، وقال له: (لا تخف، ها أنذا معك، وفي الصباح اذهب وقل للرعية أن يبنوا لي على هذه المغارة كنيسة على اسمي لأن المكان مقدس، وأعطيك علامة لكي يصدقوك؛ أنك تذهب وحدك وتترك أغنامك ترعى لوحدها فلا تقترب منها الوحوش).. وتوارى القديس عنه، وفي الصباح فعل كما قال له القديس وترك الأغنام وراح يخبر بما قال له الملاك وبما فعل به من إحسان فخرج الشعب عند المغارة فشاهدوا الأغنام ترعى ومن حولها يحيط بها عدد كبير من الذئاب الخاطفة ولم يقترب أحدها من الأغنام للافتراس بل كانت الذئاب تتطلع الى قطيع الماشية خلافا لما كانت عليه في الليلة السابقة، فلما رأت الذئاب أن الرجال مقبلون ولت هاربة، فصدق الشعب الخبر، وهبّو بروح واحدة، وسارعوا بإيمان وحماس لمناداة الجميع وباشروا في بناء كنيسة على اسم القديس جاورجيوس وبسواعدهم الكادحة، ومن أموالهم الخاصة، وقدم كل منهم ما توفر لديه من مال وساهم في مشروع البناء المقدس وحسب الإمكانات والقدرات. وقامت بطريركية أورشليم المقدسة بالاحتفالات الدينية المعتادة في يومي وضع الحجر الأساسي وتدشينها وبحضور عدد كبير من الإكليروس والشعب المؤمن ومن الشخصيات الرسمية أيضا. ومنذ ذلك الحين، أصبحت كنيسة القديس جاورجيوس في مدينة السلط، مقصدا للزوار والحجاج الوافدين من البلاد وخارجها".


المفاتيح

هناك تاريخ معتق يرتبط بالمقام هناك في حي الخضر الذي تمر ذاكرته على عائلات تشكل بنيته الاجتماعية، يشير اليها الأب مروان الطعامنة بقوله أنها كل من "حداد الخضر، وفاخوري، وتادرس، وقاقيش، وطعامنة، اضافة الى عشائر اسلامية هم القطيشات والجغبير" ويشير أيضا الى أن "الذي ثبت الكنيسة هو الأب عيسى فرح حداد، وجاب أموال من القدس، اضافة الى عونة من عشيرة آل حداد، ومساهمات أخرى.. ولكن منذ انشاء المقام والناس يحافظوا عليه، وكبار من الكنيسة الأرثوذكسية، منهم الأب أيوب فاخوري، والمرحوم اعطيوي موسى الفرح حداد، والأب ابراهيم تادرس، والأستاذ طعمة الخوري، والمرحوم منصور فاخوري، والمرحوم عيد الخوري قاقيش، والمرحوم عيسى المفضي تادرس، والمرحوم جريس النمر قاقيش، والمرحوم ميخائيل يعقوب فاخوري، والمرحوم عيسى سلامة يعقوب.. وكانت مفاتيح الكنيسة باستمرار توجد بالبيت المجاور للكنيسة حيث انه في البداية كان عند عيد الخوري قاقيش، بعدين انتقل الى جريس النمر قاقيش وهذا كان يقرع اجراس الكنيسة ويخدمها مجانا، وبعدين المرحوم سلامة الأيوب تادرس، وبعد رحيلهم تسلمها كمال جميل فاخوري، ولكن حين تحسنت أحوال الكنيسة صار لها حارس، وهو الذي توجد عنده مفاتيحها".


اللجنة المشرفة

هذه الكنيسة، ومنذ إنشائها، تستقبل كل الطوائف، والجنسيات، ويأتيها المسيحيون والمسلمون، يقدمون النذور والشموع ويتباركون بها، لكنها ثابتة أنها للروم الأرثوذكس، وهي عربية، وهناك لجنة تشرف على الكنيسة من مختلف عشائر السلط المسيحية الأرثوذكسية، حيث يرأس هذه اللجنة الأب مروان طعامنة، والأعضاء هم كل من عبده مفضي تادرس، ومالك شاكر قاقيش ومازن فاخوري وسامي سلامة حداد وابراهيم كشك وهاني فنوش، ويشار هنا من حديث الأب الى جهود مميزة وفاعلة لكل من عبده مفضي تادرس، ومالك شاكر قاقيش.


بيركهارت وبيدكر

وحتى يكتمل تشكيل الصورة حول مقام الخضر كمكان، وكأثر مقدس، يمكن الرجوع الى ما كتبه الدكتور جورج فريد طريف الداود في كتابه السلط وجوارها، عن مقام الخضر، حيث قال بأنه "يقع في المكان الذي ما يزال يسمى باسمه اليوم، بجانب كنيسة الروم الأرثوذكس في آخر شارع الاسكافية (حي الخضر حوض البلد 67) ويؤمه المسيحيون والمسلمون لتأدية نذورهم في الأعياد والمناسبات الدينية خاصة العيد المسمى باسمه؛ عيد القديس جورجيوس".

وفي موقع آخر من الكتاب يقول الدكتور جورج طريف، مشيرا الى الكنيسة المجاورة للمقام وكذلك كنيسة المقام، حيث يقول "أشار بيركهارت في رحلته الى ووجود كنيسة في السلط يقوم بالصلاة فيها كاهنان يقبض كل واحد منهما حوالي أربعة جنيهات استرليني سنويا من طائفته، وذلك في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، وأشار اليها بيدكر عام 1331هـ/1912م في رحلته وقال: (في القسم الجنوبي من التل يوجد كهف صخري استخدم ككنيسة في الماضي وما تزال آثار ممر يهبط الى الكهف قائمة). ويبدو أن ما ذكره بيركهارت وبيدكر إشارة الى كنيسة سيدة الرقاد أو الانتقال في موقع الخضر التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس، حيث كانت هذه الكنيسة مقامة في الطابق الأرضي للكنيسة (حاليا) وجزء كبير منه مغارة، حيث أقيم فيها الهيكل وأقيمت فيها الصلوات، وقام مسيحيو السلط بجمع التبرعات لهذه الكنيسة وتم تدشينها عام 1333هـ/1914م كما يظهر من نقش يعلو مدخل الكنيسة. وفي الجهة الشمالية المجاورة لهذه الكنيسة أقيمت كنيسة أخرى على مقام الخضر، حيث تقام فيه الصلوات في أعياد سبت الأموات (النور) والغطاس والخضر في كل عام، ويأتيها المواطنون من كافة مناطق الأردن لإيفاء نذورهم أو لتعميد أبنائهم".

كما أنه يشار حول تاريخ هذا المقام أن إبراهيم باشا أثناء حملته على سوريا عام 1247هـ/1831م، دخل مدينة السلط، وزار كنيسة القديس جارجيوس شاكرا الله وأمر أن تستثنى أوقاف الكنيسة من الضرائب والعشور.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :