زعرور الدار


اخبار الناس. د.نزار جمال حداد 

رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين

مدير مديرية بحوث النحل - المركز الوطني للبحث والإرشاد الزراعي 

drnizarh@yahoo.com


   الربيع  قادم بطلتة البهيجة ،ما ادى الى  ارتفاع أسهمه بين رفاق الصف لأسباب لم تكن لتخفى على أحد، إلا أن أحداً لم يكن ليُفصح عنها. ولكن لغاية في نفس يعقوب كان يتقرب منه بعض الطلبة المشاكسين في تودد لطلب صداقته في هذه الفترة من العام بالذات. لم يتمتع بقدرات المناكفة الكلامية والجسدية، ولم يكن جزأً من الفريق الرياضي للمدرسة أو حتى الصف، لم يتقن لعب الدواحل "القلول"، ولم يتقن فن الفليلة من فوق سور المدرسة. وكان مصروفه اليومي شِلن "خمسة قروش". وإذا كانت الأوضاع الاقتصادية لديه مترفة، يكون أقصى ما في جيبه بريزة "عشرة قروش"، كحال الغالبية من أولاد الصف. ولم تكن شندويشته تختلف عن سندويشات تلاميذ الصف؛ فهي على الأغلب"زيت وزعتر"، وفي حالات نادرة كعك وبيض من العربة القابعة من الصباح الباكر عند سور المدرسة.علاوة على ذلك؛ لم تحقق له مهارات لعبة الشطرنج وجمع الطوابع والعملات أي شهرة في الصف.

كان يسطع نجم صديقنا في منتصف الفصل الدراسي الثاني من كل عام، بسبب ما في جعبته من حبات سحرية، لها طعم أخاذ يسرق الألباب، بعضها أحمر والآخر أصفر مغمق. ليست حبات اصطناعية ولا دوائية، ولم تحتو على فرمونات جاذبة لجعله مقرباً حتى من ألد أصدقائه، لكنها حبات تمتلك خاصية تجعل من يتناولها مره واحدة يشتهيها ويسيل لعابه كلما تذكر مذاقها، وبذلك تجعل صاحبنا يتمتع بميزة استراتيجية في هذه الفتره من كل عام. هل عرفتم ماهي هذه الحبات؟-إنها حبات ثمار شجرة الزعرور (Crataegus sp.). 

كلما انتهت موجة الإدمان على اللوز الأخضر، يقترب موسم الزعرور، ولكن الميزة النسبية للزعرور على اللوز الأخضر أنه لا يكون متوافراً للشراء، مما جعل شجرة الزعرور في حوش الدار تمنح صديقنا ميزة جيوسياسية لم يتمتع بها غيره من أولاد الصف.

تخطف هذه الزعرورة بإزهارها الأضواء من اللوزيات الجريئة المندفعة بإزهارها قبل أن تستر عورة أغصانها بأوراقها، فتصبح محجاً للنحل والفراشات ترشف منها ألذ الرحيق. وما أن تبدأ رحلة الإزهار حتى تنهال على صاحبنا التحيات الصباحية، والسؤال عن الحال والأحوال، من أبناء الصف في بحث عن مد جسور الود معه علّه يجود ببعض ثمرها حين تعقد. وعلى الرغم من كون شجرة الزعرورليست كبيرة الحجم، والذي لا يتجاوز حجم شجرة زيتون بإرتفاع ثلاثة أمتار تقريبا، إلا أن الناظرَ لا بد وأن يلمحها وهي تغير المشاهد الإسمنتية في الحارة ببعثها روح التفاؤل والأمل والسعادة، تماماً كما وصفها الإغريق في كتبهم.

كان البائع على شباك المقصف يعاني من ارتفاع في ضغط الدم والكولسترول، وقد تسبب له كثر الصراخ "بالدور يا أولاد" بمشاكل صحية كثيرة، إلا أن منقوع أزهار الزعرور وثماره الذي وصف له كعلاج، كانت سبباً في منعه من التعرض لذبحة صدرية وارتفاع الضغط الشرياني وحمايته من قصور القلب. وقد كان مفعول هذه الوصفة سحرياً أيضاً على صاحبنا النحيل،فهي سهّلتعليه مهمته في تخطي الدور عند تقدمه نحو شباك المقصف، فزعرورة صاحبنا هي الوحيدة في الحارة.

كان صاحبنا يعلم علم اليقين أن لحبات الزعرور تأثير هام في جلب الأصدقاء، ولكن لم يكن يعلم أن ثمار الزعرور تنظم عمل عضلات القلب وخفقانه، وتحسن من تدفق الدم في الأوردة والشرايين، كما لم يخطر بباله أن ثماره ومنقوع أوراقه عبارة عن صيدلية كاملة غنية بما يُعرف بالفلافونيدات الحيوية أهمها الروتين rutin، او ما يعرف بـ quercetin-3-rutinoside المضاد لتجلط الدم. كما لم يخطر ببال أحد أنها تحتوي على الكويرستينquercetin، وهو من أهم المواد المضادة للأكسدة، ويساعد على التخفيف من أعراض الحساسية ومضادة للالتهابات،وخصوصا التهابات المفاصل، ناهيك عن التربيناتالثلاثية المسماة Tetracyclic TriterpenesوالكوماريناتCoumarinsالتي تعمل كمضاد للإسهال والزحار أو ما يعرف بالدزنطاريا الناجمه عن التهاب واضطراب الأمعاء وبخاصة القولون، فيحد من الأعراض المصاحبة له كالإسهال الشديد المحتوي على دم، ويخفف من آلام البطن الناجمة عن تقرحات الجاهز الهضمي. كما لم يعلمتلميذنا أن حمض العفص Tannic Acideفي أجزاء نبات الزعرور وبالترافق مع باقي المحتويات في النبات من مواد صابونية وغيرها- تعمل كمعقم ومطهر وملطف للجلد المتحسس والملتهب والمتهيج.

كبر صاحبنا، وترك الحارة القديمة ليعيش في المدينة.والتحق بالجامعة في كلية الصيدلة. ومن بين ما درس كان علم العقاقير. وهنا كانت المفاجآت تتوالى الواحدة تلو الأخرى. كان يكتشف مفاعيل أوراق وثمار الزعرور. 

بدافع الحنين، ومع مرور السنين، عاد إلى حارته القديمة، حيث الحوش والزعرورة.وقف حيث يعتقد بأنه المكان الذي يبحث عنه- الحوش والزعرورة التي كانت تطل منه. أواه، لقد تغير كل شيء.والشارع لم يعد ذات الشارع،لا الحوش ولا الزعرورة لهما وجود.. وعندما هَمّ بركوب سيارته، لَفَتَ انتباه صاحبنا وجه مألوف، لكن تضاريسه تغيرت مع مرور السنين. وبعد بضع حديث عرف الشيخ الجليل صاحبَنا. وكانت الدهشة الأكبر عندما عرفصاحبنا الصيدلاني بأن الحوش والزعرورة قد تحولا إلى موقف للسيارات، وبأن الدار أصبحت المجمع التجاري المحاذي للموقف، وبأن قدميهتدعسان الإسفلت الذي خنق الزعرورة . 

ما أن عرف الشيخ أن صاحبنا صيدلاني، طلب منه وصف علاج للتقرحات الفموية التي يعاني منها،غير أنه استدرك بأنه لا يحب استخدام غسول الفم المتوفر في الصيدليات؛ فوصف له صاحبنا نقع ملعقتين صغيرتين من مسحوق أوراق الزعرور في فنجان ماء مغلي لمدة ثلث ساعة، تستخدم مرتين في اليوم على شكل مضمضة للفم. ردَّ عليه الشيخ الجليل، وقال: ذات يوم كانت أغلب جبالنا تزهوا بزعرورها،إلاّ أن مدافىء الفلل رفعت سعر الحطب، فاحُتطب الأخضر واليابس من الشجر. وأنه سيذهب نحو العطار لشراء الوصفة. 

وفي طريق عودته، وبينما كان يستمع إلى إذاعة محلية الإذاعة المحلية، إذ يسمعُ حديثاً ملؤه أفكار جميلة عن أهمية زراعة الأشجار وحماية ما تبقى منها، وأورد مقولة لفيلسوف،جاء فيها: "عندما نقطع آخر شجرة ونصطاد آخر سمكة ونهدر آخر قطرة ماء، فقط حينها نفهم أننا لا نستطيع أن نأكل النقود". فأخذ صاحبُنا على عاتقه أن يزرع ولو زعرورة واحدة في حديقة شقته، لعل دورة الحياة تعود ويحتاج ابنه إلى حبات زعرور سحرية في جيبه.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :