جهاد جبارة.. صهيل الحنين


اخبار الناس- مفلح العدوان يكتب: جهاد جبارة.. صهيل الحنين


"عوافي أيها الأصيل"، وكيف أنت يا "أبو عيسى"؟ هذه الكتابة "حمدا على سلامتك صديقي جهاد جبارة"، هي لك، وتأتي، بعد أن قرأت حنينك الأخير لصحرائك التي اشتاقتك كما اشتقت لها، اذ أنت تُعبّر عن توقك،من خلال صفحتك على الفيس بوك، معلنا مللك من رتابة المدينة، ومن زيف كثير من التفاصيل فيها!!
"عوافي أيها الأصيل"، وأنا أعرف أن مثلك دائم الصهيل، ولا يستسلم لعارض يتعب الجسد، ربما هو مرض عابر، لكنه لا يمس نقاء روحك، ولا صفاء سريرتك، ولا حبك الحقيقي للوطن حولك، وطنك؛ الأهل، الأصدقاء، الشجر، البشر، الحجر، التاريخ، الذاكرة، ابتسامات الأطفال، أتلام التعب على وجوه الكهول، حرارة العطاء في دم الشباب، ونقوش محتجبة كنت تمسح الغبار عنها فتفرح اذ توقظ كتابة ثمودية أو صفوية من على سرير صخرة، أو تطلق قافلة جمال نبطية من على واجهة صفاة في صحرائك التي عشقت.
تشتاقك صحراؤك، يا جهاد.. وأدري بأنك عاتب على هذا الزمن، وعلى مؤسسات الوطن، التي لم تبخل عليها بعطائك، حين كنت تجوب الصحارى لتوثق المكان، وتاريخه، فتعود معفرا بغبار الزوابع، وبعرق الترحال، لكن تلك المؤسسات، حين أجهدك التعب، وألقيت عصا الترحال، لم تحفظ الأمانة معك، وأنت الصبور، القادر على تجاوز هذا العقوق!!


السراب.. المدينة الحلم
لك التحية، إذن، أنى كنت..
وهذه كتابة المحب لك، ومعه كل الذين يستذكرونك، ويستحضرون فرحك عند كل جولة كنت تعود فيها الى الصحراء، كأنها جولتك الأولى، فرح بريء يغمرك، واستعداد جاد لتنظيم مسار رحلتك، وأنت مرتديا لباسك السفاري، بينما كاميرتك وقلمك ودفترك هي أسلحتك البيضاء لجولتك المتكررة كل حين، حيث تغيب أياما، وأحيانا أسابيع، لتعود مكتشفا جوانب من صحرائك التي كانت أمنيتك، وحلم عمرك، أن توثق كل ذرة تراب فيها، وقد كنت كنت ذات صهيل: ".. إن السراب الذي يخشاه عابر الصحراء، ويعتبره مخادعا، وأحد مكائدها، كان بالنسبة لي مبعثا لفرح غامض وغريب، فعندما لاح لي وعلى امتداد المشهد في ظهيرة قفزت خلالها درجات الحرارة الى ما فاق الأربعين درجة، خيّل لي بأني أشاهد بحرا أزرق كان يحيط بمدينة مترامية الأطراف، لقد رأيت ما لم أتمكن من وصفه، إنها (المدينة الحلم)! لقد كانت تنتصب على رقعتها المآذن، وقباب المساجد الضخمة، والعمارات الشاهقة، كما ظهرت بعض أشكال تشابه السفن الكبيرة، وكاد يخيل لي بأن المدينة ميناء بحري جاءته تلك السفن لتفرغ حمولتها على رصيفه، وفي تلك اللحظات غبطت بل حسدت أولئك الذين يقتنون (كاميرات) للتصوير ذات مواصفات متقدمة لأنها الأقدر على اصطياد ذلك المشهد الذي يمثل مدينة شيدت على سراب الصحراء، ولأصبحت تلك الصور الفوتوغرافية لغزا لكل من يشاهدها حيث تظهر مدينة ليست في الوجود!".


أنسنة الصحراء
ها أنا اكتب لك، فتعود بي الذاكرة معك، ومع مشروعك المهم، في توثيق إرث الصحراء، الى عام 2005م، أذكر حينها، مبادرة جريدة الرأي، وكان رئيس تحريرها آنذاك الصديق عبد الوهاب زغيلات، والنية كانت قائمة على تقديم مشروع له ديمومة، ويحفر عميقا في الوجدان، موثقا تفاصيل لم تكتب من سيرة المكان والانسان في الأردن، فاخترت، أنت يا جهاد، ان تكمل مشروعك، في صحرائك، مدينة حلمك تلك، تحت عنوان (صهيل الصحراء)، أما أنا فقد يممت وجهي حينها نحو القرى والريف الأردني، في رحلتي لتدوين سيرة (بوح القرى).. كنت متحمسا حينها، ولذا فإنه وبعد أشهر كان صدور مجلدك الأول من كتاب (صهيل الصحراء)، وشرفتني يا (أبو عيسى) بتقديم صهيلك، وكانت مسؤولية التعبير عن أهميته، وإلقاء ضوء على تفاصيله، أمانة في عنقي، فاجتهدت وكتبت لك، ولكتابك، ولمشروعك آنذاك، كتابة تحت عنوان (جهاد جبارة.. مغامرة استنطاق الصحراء)، غير أنك آثرت أن تثبت عنوانا آخر لمقدمتي هو (استنطاق الإبل وأنسنة الصحراء)، في ارادة حقيقية منك لمحاكاة الحياة والمكان في الصحراء، وكأنك كما كتبتك آنذاك: "وئيدا يمشي هناك ..تومض روحه بألق البحث والشوق ، ويشي قلبه بعشق لا يستطيع البوح به الا قريبا من صحرائه التي تومىء له في كل رحلة يخرج فيها باحثا عن فردوس، ضائع في دروب رمالها، فتشي له بحكمة تتجلى لدى كل من عاقر الصحراء وطنا، وتماهى مع تعاليمها التي تبلورت أعرافا، وتقاليد، وتعاليم، ثم ترجمت في غير زمان لتصير تلك البيداء مرة حاضنة لدين جديد، وحينا ديوان شعر، ومرات أخرى علم بترحال النجم أو سحر يكشف عن نواميس الأشياء".


لهفة العاشق

وأكملت المقدمة، بوحا عنك، وارتحالا مع حالة تماهيك مع مشروع حياتك في صحرائك، قلت: "هنا في كتابته عن الصحراء التي نشرت الرأي جلّ حلقات مغامراته فيها، واكتشافاته لها، خلال تجواله فيها يكون جهاد جباره، عاشق الصحراء، هو الباحث عن انعتاق روحه داخل عمق الحقيقة التي وجدها ترحالا واكتشافا للصحراء الأردنية على امتدادها، وفي كل معالم تضاريسها، كأنه تآخى معها، فوجد رفقته الحقيقية هناك مع الثموديين، والصفويين، الذين حاور ظلالهم، وناجى أرواحهم قبل أن يخط قلمه تفاصيل اكتشافه للمكان ولتاريخه وللكائنات التي أقامت فيه..
هذا المرتحل، (جهاد جباره)، جعل للصحراء ثيمة أخرى، لها تجليات ورسائل وشيفرات، شيدها مرة أخرى بعد أن عايشها أمرا واقعا، وتفاصيل يومية، خبر فيها، قبل أن يخط انطباعاته عنها، رماد النيران، ووقع الحوافر، والحناء، والقهوة، وعرف بفراسة الخبير العاشق قاموس صحرائه العشيقة، فتحسة لحظة قراءة لبعض ما يكتب وكأنه عالم نبات حين تعبق من خلال وريقات كتابته رائحة الزعتر البري، والشيح، والغار، والقيصوم، والزعرور، والبابونج، والكلخ، والحيصلان، والنفل، والشنان، والريله، واليانتون، والحمض، والرشاد البري، والحزا، والترفاس،..، كأنه يريد ان يجمع كل معارفه في هذا الجانب، حتى يكاد المتلقي أن يحيله الى تلك الزاوية من الاختصاص، لكن ما ان يتابع  بوحه لأسرار الصحراء حتى يدخل في أرجاء أخرى، أكثر ثراء، وأعمق أثرا، تدور كلها حول محور كتابته التي تخصص بها عن الصحراء الأردنية من نواحي جغرافيتها، وانسانها، ومائها، وحيواناتها، ومعاناة أهلها الذين عايشوها، فيبدع قلمه في  ترجمة كل ما التقطته حواسه، وما عايشه من تجربة، ومشقة، واكتشاف، لتلك الأماكن، بلغة أدبية شفيفة ممزوجة ببساطة وبسلاسة مع المعلومات الضرورية لمثل هذه الكتابة من أرقام ونتائج أبحاث، وقراءات تاريخية أو آثارية. المهم في كتابة جهاد جباره، اضافة الى الاكتشافات التي يقدمها لمن لم تتسن له فرصة التآلف مع الصحراء، والوصول الى تلك الأماكن، هو في أن جباره يؤنسن هذا الإرث الصحراوي، ويتماهى معه، ولديه القدرة على ايصال تلك العلاقة التي صارت تشكل رابطا مقدسا بينه وبين رمال الصحراء وكل تفاصيلها، ولعل التركيز على عباراته أثناء كتابته عند كل دخول أو خروج له لإحدى تلك الأماكن الصحراوية يعطي اشارة عن تلك العلاقة الوجدانية التي تأصلت بينه وبين المكان، فتحسه يقبل الى الصحراء بلهفة عاشق مشتاق، ويرتحل عنها كأنه يودع جزءا من قلبه أو بعضا من روحه، انه يصدق وعده للصحراء فتبادله حبا بحب، وتكشف له أسرارها، ويبدأ بتليين قلبها، وبالتخاطب معها، وبأنسنة كل
تفاصيلها، وحكاياتها، وصخورها، وكثبانها.. انه ينبش فيها، يخرج حكاياتها، وأسماء جبالها، ووديانها، مع اسباب تغيرها أو ثباتها، وكأنه يعيد كتابة رواية الصحراء، جاهدا في تأليفها من جديد، فيصرح بالقداسة التي غلفت القبور فيها، وبتمائم الاسماء وقصصها، وبالطرق التي مرت بها واندثرت أو تألقت كحال طريق الايلاف الهاشمي، وطريق البخور، هو يرسم جغرافيا أخرى قوامها الروح المتعلقة بالرمل وبما تحت طبقة الصحراء !!".

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :