‎قرية ماسوح ..مغارة شمهروش


قرية ماسوح ..مغارة شمهروش 

اخبار الناس- مفلح العدوان

قلنا نكسر حاجز السحر والأسطورة، نرفع الحجاب عن المسكوت عنه في المسافة بين الشعوذة وسيرة المكان، لتكون الحكاية بكل ألقها مزيجا بين تاريخ شعبي شفوي، وبين وثيقة رصينة ونقوش منتقاة، الى أن نصل الى نواميس وأسرار تسكن هناك.. ها نحن نصل الى حيث القعة المشتهاة، لنتلمس حجارتها، ونتهجى نقوش ما تبقى من آثار فيه، إنها القرية التي تنتظر هناك بلهفة الشوق، وبتوق معتق، لمن يقرأ أسفار ذاكرتها، وبواطن تاريخها، لتعلن هي بكل مهابتها، عن مكنونها،وعن بواطن عن ذاتها، قائلة: أنا ماسوح، القرية الوادعة في مستقرها شمال مأدبا التي تبعد عنها حوالي عشرة كيلومترات، والى الشرق من حسبان على مرمى ثلاثة كيلومترات من تل المصلى المسكون بالحكايات، وكأنه يناجي من هناك، الخربة، والكنائس، على التل الأثري عندي أنا ماسوح.

ذاكرة الحجر

كانت النية قائمة على أن أزور ماسوح، قبل عدة سنوات، هذا كان حين كتب البوح عن قرية حسبان، وكان الحديث حول الخريطة الاجتماعية عرّج على جوانب من ذاكرة ماسوح وأهلها، فأتت رسائل حينها، تضيف على ماكتب، وتكشف جوانب من ذاكرة أهل ماسوح، واحدة من رسالة من السيد محمد عبد الكريم قطيش الجهران (أبو عمر)، قال حينها لا بد وأن تزور ماسوح لتعرفها أكثر، وبقي الوعد قائما، الى أن تهيأت الظروف لتكون هذه الزيارة، وبرفقتي الصديق منصور شيحان، حيث سلكنا الدرب من حسبان الى ماسوح، واتجهنا مباشرة الى خربة ماسوح، حيث التقينا بالصدفة مع بعض أبنائها الذين لم يبخلوا علينا بالتجوال معنا بين تلك الآثار المنتشرة هناك، هي كثيرة لكنها مهملة، منها مغارة شمهروش التي لها حكاية سنمر على ذكرها، وكذلك مغارة المشنقة، وهناك عدة كنائس، وكهوف، وقبور، وأعمدة، وحجارة تنتظر من يعيد معمارها، وقراءة تاريخها.

الموقع.. والحدود

قبل أن أبدأ بسرد مشاهداتي في خربة ماسوح، سأمر على تحديد موقعها، وحدودها، وأحواضها، وتعداد سكانها، وما يتوافر فيها من بينية تحتية، وبعض معاناة أهلها. وهذا بوح أدونه، وأنا أجلس في حوش بيت أحمد محمد قطيش الجهران (أبو موفق)، حيث استقبلنا بكل طيبة وترحاب، وقال أن المعلومات التاريخية خذوها من السيد محمد عبد الكريم قطيش الجهران (أبو عمر)، وتم الاتصال به، ووعد بأن يكتب موجزا عن هذا التاريخ الذي يغطي جوانب المكان والانسان في ماسوح، غير أن لم يستطع الالتحاق بالجلسة لالتزاماته في مكان آخر، ولذا فقد دونا ما جادت به ذاكرة (أبو موفق) الذي قال: «ترى ماسوح اسمها قديم، ومن أول ما وعينا واجدادنا هان ونحن نعرف ماسوح بهذا الاسم. وهي تقع على ثلاثة أحواض هي: حوض ماسوح الوسطى (الحنو)، وحوض ماسوح القبلي، وحوض ماسوح الشمالي. أما حدودها فهي: من شمال وغرب حسبان، ومن الشرق شمال السامك والعال، ومن الشرق أم العمد والخضرا وأراضي العدوان، ومن الجنوب الجبيل وأراضي النابلسي. والمسافة بين ماسوح ومادبا 10 كيلومتر، وبيننا وبين حسبان مسافة 3 كيلومترات. وماسوح تتبع للواء ناعور من محافظة العاصمة، وبالأمانة تتبع لأم البساتين والسامك، مع اننا اجتماعيا وتعليميا ومن ناحية القرب طول عمرنا نتبع لحسبان. وعدد سكان القرية تقريبا 250 نسمة، ونعتمد في الخدمات على القرى المجاورة خاصة حسبان، ولكن في جامع اقمناه على اراضي اهل المنطقة وبتبرعات منهم وهو (جامع أبا القاسم).

الثائر الأموي

أقلب الدفاتر القديمة، والمراجع التاريخية، وبعض كتابات رصدت بعض جوانب ذاكرة ماسوح، فأجد أن بعض الكتب يتغير فيها رسم كلمة ماسوح، لتصبح مسوح، باسقاط الألف منها، وبعضها الآخر يثبتها كما هو متعارف عليه: ماسوح.

وحول معنى كلمة ماسوح، فإننا نجد تتبعا للمعنى، وحدث مهم ارتبط بالقرية، لدى الباحث ركاد نصير في كتابه (المعاني اللغوية لأسماء المدن والقرى وأحواضها في المملكة الأردنية الهاشمية)، حيث قال في هذا السياق: «ماسوح: مسح الشيء: امرّ يده عليه لإذهابه أو لإصابته بالبلل، ومسح الشعر: مشطه، ومسح في الأرض: ذهب ومسح الأرض: ذرعها، والمِسح: البلاس (كساء غليظ من الشعر). أو الجادة من الأرض، الماسحة: الماشطة. والمسحاء: الأرض المستوية ذات حصى صغار لا نبات فيها، أو الأرض الحمراء، والمسحاة: المجرفة من حديد. جاء في معجم البلدان مجلد 4 ص 240 في قصة الثائر الأموي سعيد بن خالد الأموي العثماني الفديني أيام المأمون العباسي أنه تحصن في عمان في قرية يقال لها ماسوح».

الماسوحيّ

وحول تفاصيل حادثة العثماني، وكيف تنقل هاربا من مكان الى آخر، حتى وصل ماسوح، يتحدث الدكتور المهدي عيد الرواضية في (مدونة النصوص الجغرافية لمدن الأردن وقراه) موردا جوانب أخرى تضىء بعضا من ذاكرة وتاريخ ماسوح، حيث يقول: «ماسوح: قرية من قرى قضاء أم البساتين من محافظة العاصمة، تقع على خط الطول 35 درجة و50 ثانية شرقا والعرض 31 درجة و 47 ثانية شمالا. ذكرها ياقوت الحموي دون أن يفرد لها بابا عند تفصيل القول عن الفدين (المفرق الآن) في خبر خروج سعيد بن خالد بن أبي العاص الأموي وادعائه الخلافة.. قال ياقوت: فوجه اليه يحيى بن صالح في جيش فلما كان بالقرب من حصنه المعروف بالفدين هرب منه العثماني فوقف يحيى بن صالح على الحصن حتى هدمه وخرب زيزاء وتحصن العثماني في عمّان في قرية يقال لها ماسوح.. وينسب لها عبد الله بن سعد بن مسعود بن عسكر الماسوحيّ، ترجم له ابن حجر العسقلاني، قال: مولده بعد سنة 710هـ/1311م، وتفقّه ولازم الشيخ برهان الدين ابن الفركاح، وطلب الحديث، وكتب الأجزاء، وفاق في الفقه وشارك في غيره، وكان كثير النقل صحيح العقل، مات في جمادي الأولى سنة 771هـ/1370م، وماسوح بمهملتين قرية من قرى حسبان».

عهد الأسقف تيودوزيوس

كما أنه خربة ماسوح، والكنائس المنتشرة فيها، كانت مادة تحدث عنها المطران سليم الصائغ في كتابه(الآثار المسيحية في الأردن)، حيث أشار الى ذاكرة الكنائس فيها، غير أنه في تدوينه لتلك السيرة المتعلقة بالمكان، وقداسته، كتب ماسوح، مسقطا حرف الألف، ليكون معمار الكلمة على هذا النحو: (مسوح). وبعد ذلك تتبع جوانب الحفريات الأثرية في الخربة، وتواريخ التنقيبات التي تمت في غير مكان هناك، حيث قال في هذا الإطار أنه»تقع بلدة مسوح الى الشرق من حسبان، وتبعد عنها ثلاثة كيلومترات، وتربطها بحسبان طريق معبدة جزئيا، كما تقع الى الشمال من مأدبا وتبعد عنها عشرة كيلومترات، وقد قامت دائرة الآثار بحفرية أولى سنة 1973م وبحفرية ثانية سنة 1982م، وكشفت عن آثار كنيسة تعود الى القرن الخامس الميلادي، مفروشة بالفسيفساء، وثبت لعلماء الآثار أن الفسيفساء تم ترميمها مرارا في عصور مختلفة. فالبساط الفسيفسائي الأقدم يعود الى القسم الثاني من القرن الخامس، وهو مكوّن من حجارة بيضاء على شكل بساط يغطي صحن الكنيسة حتى منطقة الخورس. أما داخل البساط فقد زين بأشكال هندسية من الحجارة الملونة، وفي وسطها أيقونة رسم فيها حمل مربوط بشجرة. وفي فترة لاحقة في مطلع القرن السادس تم توسيع منطقة الخورس ثلاثة أمتار، وتم فصل الخورس عن صحن الكنيسة بدرجة علوها عشرون سنتيمترا، وفرش الخورس ببساط فسيفسائي رسم فيه الفنانون ورودا وأسدا يقف أمام تاج. وفي النصف الثاني من القرن السادس رمم سكان مسوح كنيستهم وفرشوها بفسيفساء جديدة في عهد الأسقف تيودوزيوس ورئيس الكهنة سباسيوس. ويبدو أن مسوح كانت تابعة لأبرشية حسبان نظرا لقربها منها، وأن الأسقف تيودوزيوس هو أحد أساقفة حسبان. في فترة لاحقة أيضا بعد فترة حرب الأيقونات، أعيد بناء الكنيسة وتم الاستغناء عن عدد من الأعمدة».

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :