كثربا.. الأخوان الشهيدان


مفلح العدوان- التاريخ الشفوي.. عبق الشهداء



أرواحهم الطيبة، ترفرف حولنا، تتلمس البيوت، وتتفقد الدروب، وترقب بمحبة كل الناس على هذا الثرى، وكأن الشهداء، كل حين، في تلك القرى، يلوحون من الاعالي للوطن الذي ضحوا بأرواحهم من أجله.
هؤلاء لهم حق علينا بأن نتذكرهم، ونعيد سرد بطولاتهم، ونقاء عطائهم، وقداسة رحيلهم على جناح الشهادة الى جنان الخلد التي هم فيها مع الأنبياء والقديسين ينعمون.


كثربا.. الأخوان الشهيدان


أهل قرية كثرباالواقعة جنوب غرب الكرك على مسافة 25كم ضمن سفحي جبلي المعيصرة والميدان، فيعودون في قراءتهم لصفحات الشهداء الى بدايات القرن الماضي، حيث يتحدث أهل القرية ما سمعوه عن الآباء والأجداد، كيف انه في عام 1911م بعد "هيّة الكرك"، عندما جاء الجيش التركي إلى كثربا معتقدا أنها قرية العراق التي قتل فيها جنود أتراك على أيدي أهلها، وكان هذا الجيش القادم للانتقام من أهل قرية العراق، لكنه اخطأ الطريق ووصل إلى كثربا فجمع أهلها لينتقم منهم إلا انه قبل أن تتم المذبحة اكتشف الأتراك أن هذه القرية ليست هي التي يريدونها، فقام الجندرمة الاتراك باحتجاز ستة شيوخ من كثربا ليدلوهم على قرية العراق، أخذوهم معهم مسافة، ثم أطلقوا سراح أربعة منهم، وأخذوا اثنين منهم فقط وهما كرهائن الشيخ إبراهيم وأخوه خليل حميدان القراله ومضوا في طريقهم إلى قرية العراق مع الرهينتين.
يتذكر أهل القرية، قبل أن يأخذ الاتراك هؤلاء الرهائن، كيف جاءت الحاجة "فريجه البزيرات" الى الشيخ خليل و"انتخت" به، وطلبت منه أن يفتدي قرية كثربا بروحه ويخاطر ويذهب مع الأتراك مدافعا عن "الأرض والعرض" كي تسلم القرية، وقالت فيه قصيدة يحفظها كل أهل كثربا ويرددون بعض مقاطعها التي تقول فيها:
يا خليل وان كانك شيخ قدم راسك حافظ على العورات تالي ناسك
زرقا لخليل يا قوة باسها فاتت على كمندار تومي براسها
فاتت على الطابور ترن جراسها
نظرا على خليل لن لفاها غايب يكسي بنات العم والقرايب
يكسي عبي الجوخ بني الشاعر
ويقول أهل القرية أن الأتراك أخذوا الأخوين قائلين لهما بأنهما من شيوخ القرية وكان من الواجب عليهم يوقفوا تلك الأعمال التي يتم فيها مقاومة الأتراك، كما اتهموهما بأنهما متعاونان مع المقاومة ضد الدولة العلية العثمانية، فأخذوهما بعد أن نفذوا مذبحة العراق، وسجنوا الشيخ خليل في قلعة الكرك، بينما اقتادوا الشيخ إبراهيم إلى الشام، حيث سجن فترة وأعدم، ولكن لما جاء خبر إعدامه إلى أخيه في سجن قلعة الكرك، أصابته صدمة و"انجلط" ومات فقام الأتراك برمي جثته من احد نوافذ القلعة العالية باتجاه الوادي السحيق، ولم يجرؤ أحد على سحب جثته من هناك خوفا من الأتراك، وكان الفصل شتاء والثلوج تغطي المكان، فقامت زوجته "طفلة سليمان البطاطحة" ومعها ابنتيها "شفق"و"جروه" بالمغامرة، وذلك بأن طلعن من إبط القلعة أمام الأتراك وحملن جثة الشيخ الشهيد خليل على ظهر دابة في تلك الليلة المثلجة وعدن به إلى القرية، ويروي أهل كثربا انه قد تم تثبيت اسمي الأخوين الشهيدين في صرح الشهيد.

السماكية.. ذاكرة المعارك
تلويحة تقدير الى قرية السماكية، الساكنة هناك شمال شرق مدينة الكرك، حيث يتذكر الأهل فيها، شهداء القوات المسلحة من أبناء السماكية؛ فمنهم "حنا خليل سلامة النصراوين" الذي دخل الجيش عام 1947م وتدرب في الكفرين كعسكري حربي،وبعد انتهاء فترة التدريب التحق بالسرية الأولى التابعة للقوات الأردنية في القدس،وقد استشهد في معركة باب الواد بتاريخ 25/5/1948م.
ويذكر رفاقه في السلاح أنه بعد أن نفدت من بندقيته الذخيرة حمل عددا من القنابل اليدوية،وهجم على خنادق العدو حيث أصيب بجروح بليغة،وتم اسعافه من قبل ممرضة من عائلة النسيبة،ثم تم نقله الى مستشفى "الهيس بيس" في شعفاط في القدس،وتوفي بعد عامين متأثرا بجراحه،وهو حتى الآن غير معروف مكان دفنه.
وأيضا هناك الشهيد "حنا عيسى النصراوين" الذي استشهد في معركة اللطرون،بتاريخ 9/6/1948م،وكان يعمل مأمور لاسلكي في الجيش العربي،وأثناء هجوم العدو الصهيوني لم يترك جهاز اللاسلكي صالحا،بل أتلفه حتى لا يستخدمه العدو ويستمع من خلاله الى المحادثات اللاسلكية،وأستشهد في تلك الغارة،ودفن في دير اللطرون في القدس.
وكذلك أستشهد "جبرائيل حنا حجازين" حيث قصفت سيارته العسكرية التي كان يقودها مما أدى الى تدهوره واستشهاده.
وأيضا "توما سلامه قلانزه حجازين"، الذي استشهد في عدوان عام 1967م،بعد أن قاتل بشراسة وقد كان زملاؤه يدعونه بالمقاتل الشرس،حيث أن نيران سلاحه اعاقت تقدم الجنود الصهاينة من المدينة المقدسة،وتذكر الحكايات عنه بأنه بعد استشهاد رفاقه حوله،بقي يقاتل من على سطح  أحد الأديرة هناك،ولم يستمع الى تحذيرات اصدقائه واشارتهم اليه بالإنسحاب من شدة المعركة وبقي يقاتل،ولم تتوقف مقاومته من على سطح البطريركية اللاتينية إلا بعد أن أغارت عليه طائرة اسرائيلية حربية وقصفته برشاشاتها،واستشهد على أثرها.
أما "ميخائيل سالم البوالصة"، فقد استشهد في احدى الغارات الإسرائيلية،اذ انه كان في خندق للقتال،وتم بشكل رسمي اصدار قرار بوقف اطلاق النار،ولكنه لم يعلم بذلك القرار واستمر بإطلاق النار من سلاحه الخاص وتصادف في تلك اللحظة مرور  احدى طائرات العدو متوجهة من هناك الى الكيان الصهيوني،فلمحت اطلاق النار من الخندق الذي كان موجود فيه،فأغارت عليه،واستشهد على اثرها.
ويكتمل عقد الشهداء بـ"جميل خليل العدايين الحجازين" الذي استشهد عام 1970م في احدى الغارات الإسرائيلية.


صبحا وصبحية.. صائد القنابل
في جهة الشرق الشمالي من مدينة المفرق، تقع قريتا صبحا وصبحيه، حيث للشهادة حكاية هناك، ويبدأ سردها على هذا النحو: غاب وانقطعت أخباره منذ حرب حزيران عام 1967م..
هو العريف "نوري زايد البكّار"، من قرية "صبحا".. السؤال المتكرر حوله: هل صعد شهيدا، أم بقي أسيرا في سجون العدو؟
ما زالت أخباره منقطعة عن أهله وإن اعتبره الجيش الأردني،في سجلاته، شهيدا،غير أن أهله يريدون أي خبر عنه يمكن من خلاله أن يقطعوا الشك فيه باليقين كما حصل،في القرية، قبل خمس سنوات حين جاءت بالصدفة أخبار عن الملازم "عبد الله فلاح الموالي" الذي جاء إلى أهله رجل يسعى بخبر عنه!!
كان حامل الخبر هذا رجل من فلسطين . قال: (إن الملازم عبد الله كان مدفونا في كهف في منطقة "نعلين"، وأن الجيش الإسرائيلي صادر الأراضي التي كان فيها الكهف، وكان هو اقرب الناس إلى مكانه، وحين فتحوا القبر، أمروه بأن يأخذ الجثة ويدفنها، فلما كشف عنها وجدها ترفل بعلامات الشهادة، لم يمسسها التعفن، وكأن الملازم عبد الله ميت الآن وليس قبل ثلاث وثلاثين سنة). قال الرجل من فلسطين أنه أخذ الجثة ودفنها في حوش بيته، فاطمأن أهل الشهيد إلى أن ابنهم كرّمت جثته بالدفن في الأرض المقدسة هناك.
ويروي الشيخ "هايل فواز السردي" (أبو طلال) أن كثيرا من أبناء قريتي "صبحا وصبحيه" لهم قصص بطولية في الحروب التي تهيأت لهم الفرصة للمشاركة فيها،  كونهم كانوا نواة مجموعة المجاهدين التي تم تشكيلها من أهالي قرى المنطقة،تحت راية "جيش الإنقاذ"، إبان حرب عام 1948م وكانت تضم بالإضافة إليهم مجموعة من الدروز، حيث شاركوا جميعا في تلك الحرب في موقع "حي المصرارة" في القدس واستشهد منهم اثنان.
كما أن "أبو طلال" يتحدث عن الجندي "قطيفان ورّاد المرهي" من قرية "صبحيه"، والذي كان جندي مشاه، وكان يطلق عليه زملاءه لقب "صائد القنابل" حيث تجلت بطولته في عام 1948م حين كان يلتقط القنابل التي كان يلقيها عليهم جنود الأعداء ويعيدها إلى مواقعهم فتتفجر هناك وتدمر المنطقة التي تصلها، إلا انه وافته المنية حين تناول إحدى القنابل، وتأخر قبل أن يلقيها باتجاه العدو فتفجرت به ووقع شهيدا .


التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :