مهابة الذاكرة: تمثُّلات القداسة في الأمكنة!

اخبار الناس-مفلح العدوان

حاضر في كل القرى، هذا العبق القداسي المبارك الذي يشكل جزءا من طيبة القرى، ونقاء أهلها، وهو بعض بنيانها الاجتماعي، وفسيفساء ثقافتها، وحكايات أهلها، مذ كان الاستقرار الأول فيها، وحتى تداعيات الزمن في كل تفاصيلها.
وهناك أمكنة، وأحداث، وأشخاص، مرتبطون بتلك الهالة الخيّرة، في كل قرية، وتشكل بنسيجها الزماني والمكاني فصولا في كتاب كتاب ذاكرة تلك الأرض الطيبة، إنها فصول تلك المساجد، والزوايا، والطقوس، والأشجار المباركة، وحكايات الصالحين، ننظر اليها بمحبة، وبنسمع تفاصيلها بخشوع، وهي ترتبط مرة بالصلوات، ومرة برمضان، وحينا بالحجيج، وتارة بالطقوس المباركة، وفي كل الأحوال هي تعبير عن بنية الانسان المرتبط بهذا الخيط الروحاني الذي يقربه من الغيب والسماء.

النهر.. حطين واليرموك
وتستمر العجلة بعد هذه البداية، سندون ما تيسر من تلك السير المباركة، ونكتبها استبشارا بشهر رمضان المبارك، وهي في جانب منها تذكير بقيم كثيرة مرتبطة بقرانا التي بقيت على عهد النقاء والعطاء، وسيكون هذا البدء المقدس من على ضفة نهر الأردن، يا لهذا النهر كم يحمل عبر وقيم وهالات مباركة.. هذا النهر الذي تجسد اسما،وعنوانا للمكان»نهر الأردن»،المنتشي بقدومه من منبعه في جبل الشيخ،والمزدهي بالمعنى الذي يحمله مشتقا من الشدة والغلبة،هو النهر الذي يسمى أيضا «نهر الشريعة»،وخط بدايته يتعانق في شمال الأردن مع نهر اليرموك،لاظما بثقة جريانه مسبحة حضارات وأديان،امتدت على مرّ الأزمنة،ذلك أنه توجد بمحاذاته يمينا من تلك الواجهة الشمالية «أرض الأقحوانة» في جزئها الأكبر حيث تقع «الباقورة»،وما تبقى منها هو تكوين «الشونة الشمالية».
هناك،في ذلك المكان،كان موقع الحشد خمسة أيام لجيوش صلاح الدين المرابطة في الساحة المحصورة في ما يسمى بملتقى النهرين»اليرموك،والأردن»،حيث الباقورة،متأهبة لخوض معركة حطين التي كانت مخاض التحرير للقدس،وفي ذات المكان أيضا امتدت ساحة معركة اليرموك قبل ذلك الزمان كباكورة الفتح الشامي لضمه إلى لواء الدولة الإسلامية.
ومع امتداد النهر تتوزع بؤر إشعاع الدلالة على الحضور الحضاري مقامات ما زالت قائمة حتى الآن تذكر بالرسالة الحضارية «شرحبيل بن حسنة»، «أبو عبيدة عامر بن الجراح»، «سعد بن أبي وقاص»،وغيرها.

الصحراء.. الحميمة
 العباسية، وأذرح التحكيم
تبقى أرض القداسة، يشع منها النور في كل زواياها، وكل أمكنتها.. أما الصحراء، في الأردن، فالسكينة هناك، خشوع مهيب .. الصحراء.. هذا الامتداد المسكون بالتراب البكر الذي ضم في جنباته أسفار تاريخ الثموديين،والصفويين،كان قادرا على صياغة جزء من تاريخ المنطقة عندما حصّن مدنا كانت حواضر امتدت بعد ذلك لتطال الحضارات القادمة الأخرى،كما أنه احتوى بحكمة صمته تداعيات الخلافة الإسلامية كأنه يشكل عمقا بيئيا ومعنويا لنسيج الوفاق أو الخلاف في الحجاز،إذ أن «الحميمة»، تلك القرية الواقعة جنوب الأردن،كان لها فضل حضانة بداية الخلافة العباسية،وكان بها ميلاد ثلاثة خلفاء عباسيين،ومنها انطلقت ثورة بني العباس،بعد أن واطنها سنين عددا،وزرعوها،وأقاموا قريتهم هناك على اثر نبطي قديم كأنهم يحيون ميراث  العرب الأوائل هناك.
وقبل ذلك،وليس بعيدا عن الحميمة،قريبا من البتراء كانت اذرح،مكان جبل التحكيم،حيث صيغت فيها أهم مفاصل الدولة الإسلامية،والتي منها استمدت الخلافة الأموية مشروعيتها واستمراريتها..
ويتسع فرجار الذاكرة بعد هذين المعلمين اللذين أسسا لتكون الصحراء الأردنية منتجعا حضاريا،بدل أن تتلفع بغلالة الجفاف فصارت القصور الصحراوية في غير مكان فيها كالمشتى ، والقسطل ، والموقر ، والرقيم ، والخرانة ،وعمرة.

أشجار مباركة
المهابة هبة من الله، غلّف بها كثيرا من الأمكنة في الأردن، وبقيت ذاكرة قداسة حاضرة، خضراء، كما تلك الأشجار المباركة، والمزروعة في غير مكان من سجاد الوطن، وكأنها في حالة صلاة دائمة، صارت معروفة بكثير من الحكايات التي تسرد على ألسنة أهل القرى القريبين منها، بجلال، ومهابة، وتقديس، تارة كونها معمرة وحاضرة منذ مئات السنين، وتارة أخرى هم يسردون الطقوس التي ارتبطت بها، فصارت وجهة لكل من يريد التبارك بهذا الأثر الطيب الحاضر في قامة تلك الأشجار، وهنا سيكون سرد لحكاية بعض تلك الأشجار، يرويها الأهل القريبين منها، بكل قداسة وتقدير.
هذه كتابة حول المقدس المرتبط بتلك الأشجار، التي صارت في عرف البسطاء مباركة بمرور رجل صالح بها، أو بتماهيها مع قصة بقيت راسخة في اطار حرم تلك الأشجار، ولعل الطبيعة الزراعية، وبساطة الناس، واشوقهم لكل ما هو غيبي، فرض هذا الحضور المهيب لتلك الأشجار.
غير استعادة الموروث حول التقدير التبارك بتلك الأشجار، في قرانا، له حفرياته القديمة عن العرب، وفي الذاكرة الجمعية، مما لا يجعل من هذه الحالة مظهر جديدا، حيث روى الطبري أن العرب كانت تعبد نخلة نجران، وكان يظن الأهلون أن الإلهة العزة تقطن بعض الأشجار، وكان في مكة قديما شجرة تدعى دوحة العنوات، وكان الأعراب يعلقون عليها الأسلحة وبيض النعام.كما نقل بعض العلماء العرب أن شجرة المناهل تستقر بها الأرواح، ولذلك كانوا يعلقون في أغصانها لحما ويذبحون لها ذبائح، وكان يدعي الأقدمون أن هذه الأشجار المغروسة بالقرب من الهياكل تنطق بالأسرار الغامضة والرموز الخفية، لذلك كانوا يدعونها بشجر النبوّات.
كما أنه كانت عبادة الأشجار شائعة عند الكنعانيين والفينيقيين، وكانوا يقسمون بالأشجار، وما زال القسم في القرى الأردنية بالشجر حاضرا، ومنها القسم الدارج: «وحياة العود، والرب المعبود».
 وإن أكثر الأشجار نموا يكون بالقرب من مقامات الأولياء، فكان الزعم بأنها تتخذ قوتها من هؤلاء الأولياء، أو قرب رجوم أحد القتلى، أو عند ينابيع مياه مقدسة، ومن الأشجار التي كانت مشهورة في الأردن شجرة وادي الحبيس في ماعين، وشجرة القصر في الربة، وأشجار النبي يوشع في السلط، وشجرة الحنيطي، وشجرة المصلى، وشجرة النبي جادور، وشجرة أم شجيرة في ذيبان، وشجرة السلطاني في قرية عراعر، وشجيرات الحيرة في الكورة، والميسه في الكرك، وشجرة النبي في الصفاوي، التي سنقدمها نموذجا في الفقرة التالية، وفيها زخم قداسي وتاريخي حقيقي، وهناك أشجار كثيرة يمكن رصدها عن توسيع دائرة البحث في هذاالمضمار.

شجرة الصفاوي .. خضراء كقداسة النبوة !!

الريح عجوز لا تنام ..
تطوف على ملكوت الثرى، وتوقظ الأشياء من سباتها.. تنفض عنها قماط السكون.. تحيي المخبوء فيها.. هبت نسمة.. ارتحلت مقبلة، فرحة، مجتازة الصحراء، والبحر، والغابات.. أتت بشوق..ها هي في الصفاوي.. شرقا، في جوف صحراء الأردن، تبحث عن غالية هناك..تفتش عن خضرة تعانقت فيها القداسة، بمعنى الحياة، في تلك الشجرة!!
هبت نسمة ..مرّت على الشجرة فعلق بها أثر من ريح النبوة.. ولم تغب.. لم تستطع الرحيل فأقامت هناك كأنها بعض ريح الجنة.. وارتاحت تحت غصون الشجرة المباركة، وهي تداعب هنالك التراب.. فرحت.. تعانق الآن، برهافتها، ذكرى الف وخمسماية سنة، هي عمر شجرة البقيعاوي في صحراء الصفاوي شرق الأردن.. اهتزت الشجرة، فرحت أوراقها، أن الريح تقرأ لها تاريخها، مذكرة اياها بقداستها.. ردت، كأنها تتذكر بعد طول صمت: كثيرون مرّوا علي..
قوافل ، فرسان ، حجاج ، تجار ، رعاة ، وأشراف ..
لكن واحدا فقط هو الذي علق في سويداء الذاكرة ، وبارك هذا المكان ..
لقد مرّ مرتين ..
محمد بن عبد الله ، صلى عليه وسلم الإله ..
باركني بمجيئه من هنا في رحلته الى الشام ، كأنه شعر بوحدتي فبدل وحشتي أنسا  ..
مرة التقى تحت ظلي بالراهب بحيرة ، ومرة اخرى التقى هنا الراهب نستور .. تباركت أنا ، وتبارك المكان بعد ذاك الحضور .
هزت الفرحة الريح والشجرة ..
كرنفال قداسة ، وبهجة ، لفت الريح الشجرة بموسيقاها فرقصت الأغصان معها واخذت الشجرة تلوح لاغصانها الى السماء والأرض والتراب وهي تناجي بكل تصوفها آثار تلك الذكرى فيها لقد كان هنا النبي وباركها ظلا خالدا له !!

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :