‎مقهى حمدان .. أشهر مقاهي عمان

‎اخبار الناس ‫-‬ وليد سليمان
‎ مقهى حمدان .. كان هذا المقهى الضخم والشاسع من أبرز معالم مدينة عمان القديمة ، يستقبل رواده من الموظفين والمثقفين والرياضيين ورجال الفكر والسياسة .. لذا كان أشبه بالنادي الاجتماعي والسياسي والفني والرياضي ..حيث اكتسب شهرة واسعة بين أهالي عمان في النصف الاول من القرن العشرين المنصرم ، و جلس فيه كبار تجار عمان ، و وجهاؤها وشخصياتها المعروفة لمناقشة اعمالهم وقضايا البلد وهموم الأمة .
‎ وقد اختفى هذا المقهى العريق مع نهاية أربعينات القرن الماضي من وسط البلد في عمان بسبب فتح شارع الشابسوغ الواصل مابين حي الشابسوغ وشارع الملك فيصل – وأقيم بدلاً منه في نفس المكان ولكن بمساحة أقل مقهى « كوكب الشرق « الذي مازال موجوداً حتى الآن فوق سوق الذهب .
‎و مقهى حمدان أنشأه صاحبه « حمدان ابو سويد « فوق محلات تجارية لأصحابها من آل الكردي .. حيث كان المقهى مبنياً بشكل فخم من ألواح الزينكو والخشب المزخرف .. ويقدم الشاي والقهوة والاراجيل .. والشدة والضومنة والشطرنج لمن يريد التسلية .
‎حتى أن هواة تربية وسباق الخيول كانوا يجتمعون في مقهى حمدان للتداول في شؤون الخيول و تنظيم السباقات بين الخيول والفرسان في مدينة عمان قديماً .

‎المؤتمر الوطني الأول
‎بتاريخ 25/7/1928 تم عقد «المؤتمر الوطني الأول» في عمان بمقهى حمدان، وسط البلد بحضور حوالى 150 شخصية وطنية، يمثلون بمجموعهم كافة مناطق الإمارة من سياسيين وشيوخ عشائر ومثقفين ورجال دين ..الخ ، برئاسة حسين باشا الطراونة واستمر لمدة أربعة أيام ، وصدر عن هذا المؤتمر ما عرف تاريخيا بـ « الميثاق الوطني» ، وهي مادة قانونية مؤلفة من إحدى عشرة مادة، أكد مضمون موادها الأولى البيعة لسمو الأمير عبدالله بن الحسين وولاء الشعب الأردني له، والمطالبة بقيام حكومة دستورية، وعدم الاعتراف بأية عملية انتخابية على غير قواعد التمثيل الصحيح، وفي الشأن الفلسطيني اعتبرت أدبيات المؤتمر وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين مخالفا للتعهدات البريطانية الرسمية. وتوج المؤتمر أعماله بانتخاب لجنة تنفيذية لمتابعة تنفيذ قراراته.
‎وكان هذا المقهى الشهير قد احتضن مؤتمرين وطنيين عامي 1928 و1929، وذلك بعد سبع سنوات من نشوء إمارة شرق الأردن. وكانت تلك الملتقيات بمثابة بداية للحياة التشريعية والتعددية الحزبية والسياسية في الاردن .

‎سيدو الكردي
‎ وقد حضر الوجيهان سيدو الكردي و علي الكردي المؤتمر الوطني كممثلين عن مدينة عمان ، كما أصبح سيدو الكردي عام 1933 أحد ممثلي عمان عندما تم انتخاب اللجنة التنفيذية لمؤتمر الشعب المؤلف من 49 عضواً من مختلف أرجاء الوطن . كما فاز سيدو مع رفقائه من حزب الشعب في انتخابات بلدية عمان التي جرت في نيسان عام 1934 .

‎الراديو والأغاني والحرب
‎وقد تخطى مقهى حمدان حدود المقهى التقليدي في ذلك الزمان وتخلد اسم المكان في ذاكرة تاريخ عمان والاردن .. فقد كان زبائن المقهى يحتشدون فيه في سنوات الحرب العالمية الثانية ( 1939- 1945) لسماع أخبار المعارك على الجبهات من الإذاعة الفلسطينية – محطة الشرق الادنى التي كانت تُبث من مدينة يافا أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين .
‎وكان الراديو في مقهى حمدان يصدح بالاغاني لمشاهير الطرب مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وصباح واسمهان وغيرهم .

‎حفلة زكية حمدان
‎وبعض المسرحيات والحفلات الغنائية كانت تُقام في هذا المقهى .
‎وهناك حفلة غنائية لا تُنسى في ذاكرة مقهى حمدان كانت للمطربة السورية من حلب « زكية حمدان « حيث قدمت وصلات غنائية خلبت ألباب الحضور ..وكانت هذه المرة الأولى يقوم بها المقهى بتقديم حفلة فنية حية من هذا النوع .
‎ومن المعروف ان المطربة زكية حمدان ( 1925- 1987 ) اتخذت هواية الغناء في مدينة حلب ،وغنت وعمرها (15) على مسرح سينما روكسي عام 1939 .
‎وقد تميزت زكية حمدان بلقب ( أم كلثوم الشام ) وبصوتها العذب ورقة الإحساس الغنائي ، وقدمت حفلات غنائية في بعض البلاد العربية ، وغنت من كلمات نزار قباني وكلمات وألحان الأخوين رحباني .
‎ومن أغانيها الكثيرة أشتُهرت بالأغاني التالية : أرى سلمى – يا زمان الوفا – يقولون زار الهوى دارنا – هل تذكرين – شباكنا جار القمر – تصبح على خير ... الخ .

‎الحكواتي .. الثلج
‎ومقهى حمدان في عمان أُنشئ قديماً في عشرينات وحتى نهاية أربعينات القرن الماضي, حيث كان من أشهر وأفخم المقاهي المعروفة, وإن هذا المقهى القديم مقهى حمدان كما ذكر صديقنا الراحل د. عبد الله رشيد في كتابه – ملامح الحياة الشعبية في عمان قبل عام 1948 – أنه كان ملتقى لفئات المثقفين والوطنيين, حيث كانت تُعقد فيه المؤتمرات الوطنية التي تنتصر للقضايا الوطنية والقومية في الوطن العربي, فقد كانت تُقام به من جهة أخرى بعضا المسرحيات الغنائية في الأربعينات.
‎وإن مقهى حمدان هذا كان يقدم الفقرات الساهرة المختصة بِـ (الحكواتي) لجمهور المقهى ولهواة الخيول في عمان - الذين كانوا عادة يجتمعون في هذا المقهى - وغيرها من المناطق الأردنية .
‎وكان معمل الثلج يزوّد سكان عمَّان بألواح الثلج الكبيرة في موسم الصيف وأيام الحرالشديد ، وكان المعمل عبارة عن غرفة متوسطة المساحة داخلها موتور لتوليد الكهرباء يشتغل بالكاز ، وكان الماء يوضع في وعاء نحاسي كبير فتخرج منه ألواح من الثلج كان مستهلكها الأول المقهى الوحيد في عمَّان (مقهى حمدان) الذي كان يجتمع فيه عصر كل يوم وجهاء البلد وكبارالموظفين .

‎ رواية الشهبندر
‎وجاء في رواية الكاتب الاردني المعروف هاشم غرايبة (الشهبندر )
‎والتي صدرت قبل سنوات ، العديد من أحداث الرواية في داخل هذا المقهى القديم .
‎وعلى لسان إحدى شخصيات الرواية نقرأ مثلاً ما يلي :
‎« كنّا في مقهى حمدان أول الشابسوغ حيث نلتقي نحن الشباب المتعلمين شاعرين بالتميز على من هم أقل منّا حظاً بالتعليم .
‎وفي موقع آخر في الرواية وبعنوان فرعي نقرأ :
‎« أنا مقهى حمدان شاهد تاريخ الأُمة ..مثلما الباشا شيخ الأردنيين أينما اجتمعوا ، أنا ملتقى الوطنيين والقوميين مهما اختلفوا ..هنا عقدوا مؤتمرهم الأول .
‎ونقرأ ما يقوله حمدان صاحب المقهى وهو يحدث نفسه في الرواية :
‎سقا الله على أيام العز .. زمان أول حوَّل يا حمدان ...بدّلت غزلانها بقرود !! وصار بلطي بصالتي مين ما كان ..ويحكي شو ما كان !!.
‎وفي حديث ما بين المختار وشهاب كان هذا الحوار :
‎المختار : صحيح إنك اشتريت قهوة - مقهى - المنشية التحتا يا شهاب !؟
‎شهاب : مش غلط ..لكن بدها شوية أثاث وتصليحات .
‎المختار : تشوف على عتبتها الخير يا شهاب .
‎شهاب : الله يبارك فيك يا مختار ، بدها هِمتك مع الأفندية إللي بتعرفهم .
‎المختار : الأفندية تعوّدوا يقعدوا هون .. على مقهى حمدان ، وما ظنيت يحوِّلوا عندك ! .
‎شهاب : هاي القهوة ( المقهى ) كِويّسة بالصيف !! وإحنا مقبلين على الشتوية يا مختار .. والمنشية دافية – أي مقهى المنشية بجانب سوق السكر - .

‎مقهى جديد !
‎وقبل سنوات قام شاب أردني أراد أن يحيي اسم مقهى حمدان القديم ، فافتتح مقهى شعبيا يحمل هذا الاسم في بداية شارع وصفي التل « الجاردنز» .
‎ويقول صاحب الفكرة والمكان، خالد الجعار: كان والدي وأعمامي من رواد مقهى حمدان القديم وحاولت في المقهى نقل تجربة مقهى حمدان لموقع جديد من عمان الغربية».
‎وساهم الاسم بحسب الجعار في جذب عدد من رواد المقهى القديم من الرجال المسنين، إضافة إلى أن المقهى جذب أيضاً رواداً من الجيل الشاب، ويقول: «يجمع المقهى شباب الجامعات والموظفين والمحامين والصحافيين والأطباء إضافة إلى كبار السن».

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :