شارع الهاشمي‪..‬طريق الملك عبدالله الأول وذاكرة الزمان

اخبار الناس- شارع الهاشمي‪..‬طريق الملك عبدالله الأول وذاكرة الزمان

وليد سليمان
شارع الهاشمي من أقدم وأشهر الطرق والشوارع التراثية في عمان.. لأنه الطريق الذي يقود الذاهبين لزيارة المدرج الروماني الأثري التاريخي وإلى متحفيه وقاعاته الجانبية من عروض فن الأدوات المعيشية والملابس من التراث الأردني والفسيفساء الجميل.. كذلك لمشاهدة المسرح الشتوي الصغير "الأوديوم", ثم إلى الساحة الشهيرة والواسعة الحديثة (الساحة الهاشمية).
و على أحد جانبي هذا الشارع الممتد ما بين الجامع الحسيني وحتى بوابة القصور الملكية ومنها قصر رغدان العريق.. الكثير من الأدراج الحجرية الجميلة الصاعدة إلى حي الشابسوغ وإلى حي القلعة الأثرية القديمة "قلعة عمان" التي وُجدت في نفس مكانها منذ آلاف السنين كعاصمة لدولة العمونيين.
وقد اشتهر شارع الهاشمي في العقود الأخيرة بكثرة محلات عروض وبيع وتبادل التحف الشرقية والغربية "الأنتيكا" القديمة ومنها الحديثة كذلك.. لتلفت نظر عشاق وهواة جمع التحف والأنتيكات والهدايا كزجاجات الرمل الملونة والنقود القديمة لدى السواح والأجانب وحتى العرب, ومن أهل الوطن المهتمين بتلك المقتنيات التاريخية والشعبية اللطيفة!!.
*الشارع الأميري والملوكي
وقد ارتبط اسم هذا الشارع بالأمير الهاشمي المغفور له " عبد الله الأول ابن الحسين " مؤسس الدولة الأردنية الحديثة منذ العام 1921. فعند قدومه من بلاد الحجاز واستقراره في الأردن واتخاذه عمان عاصمة للإمارة الأردنية الجديدة, كان قد استقر ديوانه الأميري أي مكتب عمله وإدارة شؤون الدولة في مبنى يقع بجانب هذا الشارع شارع الهاشمي.. والذي كان يقع قبالة ساحة المدرج الروماني بجانب فندق فيلادلفيا والمدرسة العسبلية الشهيرة لتعليم الطلاب.
وكان الأمير عبد الله الأول لابد له في أغلب الأيام  من المرور على المدرسة العسبلية للحديث مع الطلاب والمعلمين عن أحوالهم وأحوال الدراسة, ثم يهتف له الطلاب أثناء الطابور الصباحي بالأناشيد ، منها  " عاش الأمير عاش الأمير سامياً مقامه ...الخ " .
و اعتاد سمو الأمير طيب الله ثراه عبد الله الأول ابن الحسين يومياً أن يتخذ مساره عبر طريق شارع الهاشمي أو في جزء منه قادماً من شرق عمان مكان إقامته في رابية ماركا.
 وبعد أن تم له وضع حجر الأساس لبناء المسجد الحسيني الكبير على أنقاض آثار جامع قديم كان يسمى بجامع عمر أو جامع عمان.. فقد أخذ كل أسبوع يسير بموكبه الجميل الذي يرافقه الخيالة الشراكسة ذاهباً للمسجد الحسيني كل يوم جمعة لصلاة الجمعة مع أهالي عمان ، الذين كانوا يحتشدون على جانبي طول شارع الهاشمي لرؤية وتحية الأمير ذهاباً وإياباً إلى ومن المسجد الحسيني أسبوعياً.. لذا عُرف هذا الشارع بشارع الأمير أو الملك الهاشمي.
وكان شارع الهاشمي ومنذ القديم يتميز بفخامة المباني والمحلات القريبة من الرصيف, حيث كانت مشيدة من الحجر الجميل وطراز المباني الشرقية والإسلامية حيث زخارف الأقواس الحجرية أعلى الأبواب والنوافذ والشرفات الجميلة.
*أنيسة شقير القابلة القانونية
ومن أشهر من سكن في هذا الشارع الحاجة المرحومة أنيسة شقير التي كان منزلها قريب جداً من الشارع تصعد إليه بعدة درجات.. فقد كانت تُلقب بِـ (أُم العمانيين) بسبب أنها كانت أول قابلة قانونية تولد النساء في عمان!! حيث درست مهنة التوليد أي القبالة القانونية في أحد المستشفيات في فلسطين وحصلت على شهادة مزاولة هذه المهنة الإنسانية بعكس القابلات الأخريات اللواتي اكتسبن الخبرة بالوراثة مثلاً!!.
والحاجَّة القابلة أنيسة شقير والتي زاولت عملها منذ العام 1929 وحتى العام 1975 كان قد وُلد على يديها مئات وربما آلاف الأطفال والطفلات, الذين منهم عندما كبروا أصبحوا في مراكز مرموقة وهامة في الدولة والحياة العامة.. ومن الذين ولدوا على يدي هذه القابلة مع حفظ الألقاب نذكر:
زيد الرفاعي, حمدي الطباع وبعض إخوته, وبعض أبناء هزاع المجالي, وأبناء ماجد العدوان, ومواليد من عائلات معروفة مثل: منكو, ملحس, السعودي, الصفدي, قطان, الحاج حسن, طبارة, الشنقيطي, وصدقي القاسم وموسى الساكت, آل خير, آل دروزة, خرفان, المعشر, أبو الراغب, ماضي... الخ. وكانت أجرة التوليد ثلاثة دنانير عن المولود الذكر, وديناران عن المولود الأنثى, أو حسب كرم وحلوان أهل المولود!! وقد توفيت إلى رحمة الله الحاجة أنيسة شقير في العام 2000.
*محلات التحف والأنتيكا
وكما أشرنا تتواجد العديد من محلات بيع التحف القديمة بكثرة في هذا الشارع لأنه كذلك أصبح شارعاً سياحياً يقصده السواح الأجانب بكثرة من الذاهبين للمدرج الروماني وجبل القلعة, وفي طريقهم بهذا الشارع يلاحظون تلك المعروضات التي تستهوي أكثرهم ليشتروا منها ما يريدون كتذكارات وهدايا ، ومن تلك المعروضات مثلاً:
الأواني النحاسية والصدفية والخزفية الشعبية القديمة أو المنقوشة, والمكاوي القديمة على الفحم والنار, والراديوهات القديمة جداً, والتلفونات الأرضية القديمة, وبوابير الكاز,و لوحات, وطوابع, ومجلات قديمة, ومزهريات, وأطباق, وأباريق, وميداليات, وأقلام حبر بماركات قديمة مثل باركر شيفرز, ومسابح ثمينة, وأوسمة, وصورفوتوغرافية أبيض وأسود, وقطع وأوراق نقدية, وأسطوانات قديمة, وقداحات غاز وكاز وبنزين قديمة, وكاميرات,و سجادات صغيرة...الخ ، وأشياء أخرى كثيرة منها ما هو مصور ومرسوم عليه بعض الأماكن الأثرية والسياحية والدينية الأردنية الشهيرة.
*مهن شعبية اختفت!!
ومن المحلات والمهن الشعبية القديمة التي كانت على جانبي شارع الهاشمي قديماً ثم اختفت من هذا الشارع بسبب التقدم التكنولوجي الحديث الذي استبدل تلك الأدوات والمهن بإبداعات تكنولوجية أكثر تقدماً وحداثة, نذكر مثلاً:
كان في هذا الشارع بعض المحلات الخاصة بتبييض الأواني النحاسية من طناجر وصحون وأطباق, ثم بعض المنجدين لفرشات الصوف والقطن, ثم السروجية الذين يصنعون أسرجة الخيول ومستلزماتها, ثم الفرواتية الذين يصنعون العباءات والجاكيتات والمخدات من فرو الأغنام (الخرفان), وبعض مصلحي بوابير الكاز, وبعض خياطي الملابس العربية من عباءات ودمايات وأثواب رجالية... الخ. وكانت في هذا الشارع بعض محلات الحدادة والنجارة, وتجارة الحبوب.
هذا وقد بقيت بعض هذه المهن الشعبية صامدة ولكن بشكل بسيط في شارع آخر هو الشارع الشعبي الآخر شارع الملك طلال، حيث تجد فيه بعض محلات الفرواتية والسروجية والسمكرية وصنع الحلويات الشعبية.
*محلات ومتاجر وعيادات
ومن أشهر المحلات والمتاجر قديماً في هذا الشارع والتي اختفت منذ سنوات طويلة نذكر هنا مثلاً: محلات التاجر الشهير صبري الطباع في أول شارع الهاشمي قريباً من الجامع الحسيني, وكان يقابله محل الحلويات الشهير بصنع الكنافة قديماً لصاحبه ""المنها" الذي افتُتح في عشرينات القرن الماضي، ثم مطعم جبري لتواصي الطعام قبل ان ينتقل إلى مكانه المعروف في أول شارع الملك الحسين مقابل مقهى السنترال.
كذلك مخايط الملابس مثل مخيطة محمد أمين البخاري, وشطارة, ورحال, وفخري نعوم الشهير بتقييف الملابس العسكرية, ثم ملحمة الحاج رضا وملحمة أبو محمد حيث كانا الاثنان مشهورين أيضاً بتجبير كسور عظام الأيدي والأرجل.
وأيضاً كان في الشارع العديد من عيادات الأطباء المشاهير, ومنهم الذي كان يسكن في تلك المنطقة كذلك , ومن هؤلاء الأطباء مثلاً: عادل ملحم, البلبيسي, بشير البسطامي, موفق خزنة كاتبي, وليد الدباغ, جميل التوتنجي, والدكتور شوكت الساطي الطبيب الخاص للأمير أو الملك عبد الله الأول ابن الحسين طيب الله ثراه.
وكان هناك في هذا الشارع قديماً شركة الكهرباء الأردنية ومكتب رئاسة وكالة الغوث القريبان من جسر رغدان, ومصنع الكازوز أورنج وسحويل, ومواقف السرفيس بجانب وبالقرب من مكتبة أمانة العاصمة والمدرج الروماني.
ومازالت في هذا الشارع بعض المحال التجارية القديمة منذ حوالي بداية الخمسينات وحتى الآن مثل محلات حبيبة للحلويات والكمال للهريسة والعوامة وباطا والأمانة للفول والحمص وغير ذلك من متاجر.
ومن العائلات التي سكنت قديما في منطقة شارع الهاشمي: دار حسونة, باكير, كلبونة, الضباطي, ماضي, ملحس, العزيزي, قرادة, مسلم, العطار, شقير... الخ.
*معالم ثقافية
ومن أبرز المباني والمعالم الثقافية التي مازالت شامخة منذ أكثر من خمسين سنة مبنى مكتبة أمانة عمان, وهي أول مكتبة عامة أنشئت في عمان عام 1960 على يد الوزير الشهير والصحفي الألمعي عاشق عمان وأمين العاصمة في ذلك الوقت (ضيف الله الحمود), حيث كان الإقبال شديداً على قراء واستعارة الكتب منها, وفيها كذلك مكتبة شاسعة للمراجع وأخرى للأطفال, وكانت تعقد بعض المؤتمرات والمعارض الفنية في قاعات هذه المكتبة قديماً لأنه كان أشبه بالمركز الثقافي الوحيد في عمان قديماً.
وهناك مكتبات تجارية خاصة شهيرة قديمة مازال بعضها ومن أهمها مكتبة الشباب التي كانت السباقة قديماً في إصدار التقويم الأردني الهاشمي (رزنامة الحائط) والمكتب منذ أكثر من (50) سنة وحتى هذه اللحظة وذلك بمجهود آل شرارة أصحابها الذين كانوا قبل ذلك يستوردون التقويم السنوي الشامي من سوريا.
*معالم دينية وسياسية
وفي هذا الشارع مازال جامع الشركس الحجري الصغير والجميل شامخاً على أحد الأدراج القصيرة في شارع الهاشمي حي الشابسوغ, حيث تم بناؤه قديماً في عشرينات القرن الماضي بعد بناء المسجد الحسيني الكبير بسنوات ، وسط البلد في قاع مدينة عمان.
وهناك كذلك بالقرب من المدرج الروماني كان يوجد أول فندق فخم في إمارة شرقي الأردن وهو فندق فيلادلفيا لأصحابه من آل نزال مثل أنطون وميشيل نزال, والذي أقيم عام 1926, وتم هدمه في منتصف ثمانينات القرن الماضي مع كل الأسف !! لأنه مبنى ومكان تاريخي يحكي بعض أهم الأحداث من تاريخ عمان والأردن السياسي والثقافي والفني.
فقد كان هذا الفندق شاسعاً يتكون من غرف وأجنحة عديدة وحدائق وساحات وقاعات وملاعب تنس وبرك للسباحة.
وقد زار وأقام في هذا الفندق قديماً العديد من مشاهير السياسة والفن والثقافة والاقتصاد ومنهم مثلاً نذكر: ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا وكان قبلها وزيراً للمستعمرات, نوري السعيد رئيس وزراء العراق, شكري القوتلي رئيس سوريا, الملك فيصل الثاني ملك العراق, لورنس العرب, الأمير فهد بن عبد العزيز الذي أصبح ملكاً للسعودية فيما بعد, وقد شهد هذا الفندق في أروقته عام 1957 حفل توقيع إلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية.
ومن مشاهير الفن الذين أقاموا في هذا الفندق قديماً: عمر الشريف, محمد عبد الوهاب, أسمهان, أمينة رزق, فريد الأطرش, يوسف وهبي... الخ, وشخصيات أردنية شهيرة كذلك.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :