العزيزات.. وذاكرة الخروج من الكرك إلى مأدبا

اخبار الناس- وليد سليمان - عند ذكرنا اسم «العزيزات» لابد من الإشارة إلى علم من أعلام هذه العشيرة الشهيرة في الأردن، وهو العلاّمة والباحث العالمي روكس بن زائد العزيزي الرائد في مجالات ثقافية وفكرية عديدة هنا في وطننا الحبيب.. فهو أول من كتب القصة ثم المسرحية ، وهو أول مراسل صحفي أردني لصحف عربية, وأول من اهتم بالتراث الشعبي البدوي الأردني, فهو الأب الروحي للحركة الثقافية الفنية والأدبية في الأردن.. وتعتبر بعض مؤلفاته من المراجع العالمية الهامة في الجامعات العربية والأجنبية كذلك.
وروكس العزيزي من مواليد مدينة مأدبا عام 1903 وتوفي عام 2004.
وكان في العام 1996 قد وضع مقدمة لكتاب الأب عماد الطوال العزيزات والذي كان بعنوان (الخروج – نزوح العزيزات من الكرك إلى مأدبا) وجاء فيها:
« العزيزات من ( الغساسنة ) نسبوا إلى العُزى لأنهم عبدوا هذه الآلهة قديماً وتحمسوا لها. ثم فتحمس لها ( المناذرة )وضحوا من أجلها ضحايا بشرية, ويوم تنصّر المنذر أخذ يضطهد عبادها فهربوا من العراق وتنصروا في الأردن».
هذه العشيرة العزيزات نمت وكبرت أعدادها وأصبح لها موطن تدافع عنه وتحميه.. في خِضم حياة البداوة وقسوتها وسطوة دولة الروم وظهور الإسلام في الجزيرة, وتدافعت القبائل العربية في الجزيرة على دخول الدين الجديد, ومحاربة الروم.
وبدأت القبائل العربية المحيطة بالجزيرة تتطلع إلى التخلص من طغيان الروم ومساندة الفرق العربية التي كان يرسلها النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى أقطار العالم من حوله يدعو الناس إلى الإسلام.

في معركة مؤتة
ومن الكتاب للمؤلف الطوال:

 « وهناك من يقول أن العزيزات «أصلهم عسكر أخوان اثنين من بغداد ونينوى، فرا من العسكرية وهربا إلى مكة.. واحد منهم أسلم أول ظهور الإسلام ، والثاني سكن مؤتة ونما نسله هناك.
ولما زحف الإسلام على مؤتة وحاربوها, قتل جعفر الطيار ولم يقدروا أن يدخلوها لأن سورها كان منيعاً. وكان ( إعزيز ) غريباً بهذه القرية وأيقن أنه لابدّ من أخذها (لسوء معاملة الروم للأسرى العرب).
فذهب ليلاً إلى الجيش وكان أخيه الذي أسلم معهم فسّهل لأخيه اعزيز معاهدة مع الجيش. فقال إن عاهدتموني فأنا أسلمكم القرية .. فعاهدوه أنهم لا يضرونه هو وكافة أصدقائه وأمروه أن يضع إشارة صليبين على باب دار كل واحد منهم ، ورجع ليلته بعد أن قال لهم في الساعة التي تريدون فيها دخول القرية فإنني أجعل الأبواب فاتحة. وهذا ما حصل فقد فتح لهم الباب واستولوا على المدينة...».
وفي إحدى معارك الروم والمسلمين, وصلت طلائع المسلمين إلى الأردن مروراً بالصحراء وعلى طول البحر الأحمر متجهة إلى الجنوب إلى أعلى الشمال حيث التقى الطرفان في موقعة حربية ، قريبة من موقع هذه العشيرة وكانت قوات الروم من الكثرة والتجهيزات ، التي أدت إلى إلحاق الهزيمة بالقوات العربية الإسلامية ، التي فقدت في هذه الموقعة ثلاثة من أعظم القواد والشهداء وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن أبي رواحة. وكانت الواقعة كما رواها الجغرافي العربي ياقوت الحموي: «على بعد 12 ألف أذرع توجد قرية تحمل اسم مؤتة, التي احتلها جعفر بن أبي طالب في السنة الثامنة من الهجرة, فبعث النبي بَعثة وجعل قائدها زيد بن حارثة, ودعى القوم إلى الخروج وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس, فإن أصيب جعفر فعبدُ الله بن رَوَاحة على الناس».
 ثم مضى الجند إلى أن وصلوا البلقاء, عند أم الرصاص إلى الجنوب الشرقي من مادبا, حيث دارت معركة غير متكافئة تراجع الجيش الإسلامي باتجاه جموع هرقل من الروم عند مشارف الشام. ولما دنا العدو انحاز المسلمون إلى مؤتة, حيث نشبت الحرب. وامتاز الروم بكثرة العدد والعدّة. وقاتل زيد بن حارثة إلى أن سال دمه وقُتل. وقاتل جعفر أيضاً إلى أن قُتل هو أيضاً, وأخذ عبد الله بن أبي رواحة الراية وتقدم بها على فرسه وأخذ سيفه وقاتل حتى قُتل. فاتجه الناس إلى خالد بن الوليد فأخذ الراية ودافع عن القوم». وانسحب من المعركة لعدم تكافئها.
واشتهرت هذه الموقعة في التاريخ الإسلامي بموقعة مؤتة نظراً لاستشهاد القادة الثلاثة في هذه المعركة غير المتكافئة بين الروم لكثرتهم والعرب لقلتهم, ولكن التاريخ يصنع في هذه الموقعة رجلاً من أعظم القادة العرب في التاريخ حيث كان ذكر اسمه في الحروب يجعل البلاد تفتح أمامه دون قتال أو حرب.

خالد بن الوليد
كان لهذا القائد العظيم خالد بن الوليد مساعدٌ من الأعراب الذين يعيشون في المنطقة الذي مكّن القائد أن ينسحب من المدينة التي دمرها القتال ويعود بما بقي من جيشه الصغير إلى المدينة في الجزيرة يقابله أهلها بالاستهزاء وهم يصيحون بهم «يا فرار» ولكن تدخل الرسول ليحسم الأمر حيث قال: «ليسوا فُرَّاراً, ولكنهم الكُرَّار إن شاء الله « الذين تجمعوا بقيادة خالد بن الوليد القائد العظيم, سيف الله المسلول, الذي لم يكن لينسى ما قام به هذا الرجل العربي حين فتح أبواب مؤتة أمام خالد ورهطه وسهّل له الانسحاب بجنده سالمين والعودة إلى الجزيرة العربية .
عرف خالد بن الوليد لهم هذا الصنيع .. وتقول التقاليد أنه أوصى زعيم العزيزات الذي يسميه بعضهم عبد الرحمن وبعضهم عبد العزي, وغيّر اسمه بعد أن تنصّر, وأوصاه بأن يفرّق العزيزات بينهم وبين بقية النصارى, بأن يضع كل منهم على عاضدتي باب داره صليبين ليُعرفوا لكي لا يصيبهم أذى, وأعفاهم من الجزية والخراج, ومازال البدو إلى اليوم يقولون لمن يطالب بامتياز أو بمعاملة خاصة! «هو أنت أعزيز مفروق عليك صليبين؟» ويرددون القول! «جسبك يا أعزيز طيب, وجسبك يا أعزيز عزيز!». ويلعن كل من يعتدي على ولده وذريته ولو بمقدار ربع درهم.
وقد مدح العزيزات شعراء البادية كثيراً من ذلك أنه اتفق أن هاجم تسعون فارساً ثمانية فرسان من العزيزات كانوا يحرسون الحراثين ممن يريدون أن يستولوا على الأبقار فطارد الثمانية المهاجمين التسعين فهزموهم, فخلّد هذا الموقف شاعر الكرك المشهور العماوي بقوله:
يا من علم تسعين خيال طابور ..
 عَ ما يعدوا طاردوهم ثمانا!
عزيزات منسوبين والجد مخبور ..
 عند الحضر والبدو والتركمانا!

من الكرك إلى مأدبا
وحدثت في العام 1877 بعض الحروب والأحداث بين القبائل وبين الحكم التركي التي زادت من تصميم عشيرة العزيزات على الهجرة من الكرك إلى مأدبا ومغادرة الكرك نهائياً.
فقد أقدم أحد أفراد عشيرة الغشيان من العزيزات, على طلب يد فتاة من عشيرة الطوال لتكون زوجة له، لكن الفتاة رفضت مما ادى الى حدوث مشاكل بين عدة عشائر حول هذا الموضوع وافضت الى جلائهم نحو الشمال.وسبق جلاء العلمات هذا بعام تقريباً جلاء العزيزات في أواسط عام 1878 إلى الشمال بسبب قضية قتل اقترفها أحد أبناء العشيرة.
وفي أواخر عام 1879, نضجت فكرة الهجرة, وانتقلت العشائر المسيحية لنصب خيامها إلى الشمال من الكرك, في الجنوب الغربي من جبال شيحان, الذي يطلّ على وادي الموجب السحيق, الفاصل بين الكرك والبلقاء.
وهكذا حلَّ العزيزات في مادبا, وعمّروا مدينة جديدة كانت خِربَة قبل مجيئهم, وانتقل الأب اسكندر معهم ليرعى شؤونهم الروحية. وتحققت هذه الأمور بشجاعة الرواد الأوائل من العزيزات: «صالح بن خليل الصوالحة, وكان هو شيخهم, ومرار وخلف العلمات وسلمان بن عيسى الصوالحة ومسعد بن يوسف الطوال. وبعد موت صالح صارت الشيخة ليعقوب الشويحات الذي كان ذا شخصية قوية وهيبة ووقار».
في حزيران 1881 استقرّ المهاجرون في مادبا, وسكنوا مغاورها ونصبوا خيامها بين أطلالها الأثرية. وقُسمت البلدة بين عشائر مادبا, فالعزيزات جنوبي وشرقي قلعة مادبا الأثرية, والكرادشة في الشمال, والصنّاع والمعايعة في الشمال الشرقي, أما وسط البلدة فقد خُصص لبناء الدير على تلة صغيرة تقع عليها قلعة مادبا القديمة.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :