‎(حسن أبو علي).. قصة كشك الكتب الأسطورة

‎اخبار الناس‫-‬ وليد سليمان
‎تصوير‫:‬ محمد القرالة
‎ذكرياتي في شارع فيصل: «حسن أبو علي» قصة كشك الكتب الأسطورة
‎هو خالي.. وأنا خاله.. وهو أكبر مني سناً بحوالي «8» سنوات.. وليس ثمة فرق في ذلك!! فنحن نتبادل الأدوار.. عايشته منذ البدايات البسيطة.. ومنذ أن كنت فتىً صغيراً أصبحت أتعرف على الجرائد والمجلات والصور والكلمات.. أخذت أطلع وأقرأ المجلات من بسطة صحفه القليلة ، التي كان يضعها أمام درجة المنبسط أمام محل يوسف المعشر للأقمشة في شارع الملك فيصل ، أشهر الشوارع الراقية والجميلة آنذاك في عمان حوالي منتصف القرن الماضي.
‎كنت بداية أقرأ من مجلاته ما يناسب عمري مثل مجلات سمير و ميكي ، ثم فيما بعد عندما ظهرت المجلات المترجمة للعربية الصادرة من بيروت مثل سوبرمان والوطواط و لولو... منها ما أقرؤها عند الجلوس بجانب البسطة ومنها ما أقرؤها في البيت ثم أرجعها له. وفي بعض الأيام أذهب إليه وإلى بسطته أقف معه, وأحياناً أنوب عنه ببيع الجرائد والمجلات إذا ما غادر لساعة من الزمن لشأن ما.

‎في دخلة ماضي
‎وبعدها توسع حسن أبو علي في مهنته تلك ، حيث انتقل عدة أمتار إلى دخلة ماضي الشهيرة ، حيث صار يُبسط ويضع مجلاته وكتبه الكثيرة في أول هذه الدخلة, إذ صار يهتم بعرض الكتب كثيراً بجانب الجرائد والمجلات المحلية ، والعربية القادمة من مصر ولبنان و الكويت.
‎وفي تلك الفترة التي كانت البسطة الأرضية تتواجد في أول دخلة آل ماضي – واستمرت تلك الفترة نحو عشر سنوات – كان يتردد عليه العديد من زبائنه من القراء والأدباء والشخصيات السياسية وغيرها.. ومنهم تعرفت على الأدباء والكتّاب من مثل: الشاعر علي فودة والقاص مصطفى صالح والشاعر عز الدين المناصرة والشاعر محمد القيسي والشاعر محمد الظاهر وفخري قعوار وفايز محمود وتريز حداد وزهرة عمر وخليل السواحري و د.حسين جمعة وفنانين مثل إبراهيم حداد ومالك ماضي.
‎ثم بدأت أهتم وأقرأ لهؤلاء الأدباء والكتاب ، بجانب قراءاتي التي تطورت ، كي أقرأ كتب المؤلفين الكبار والمشاهير الأردنيين والعرب والعالميين.
‎فقد أخذت أشتري بعد أن توظفت وأصبحت معلم مدرسة بعض الكتب الأدبية ،و بالذات القصص القصيرة والروايات وبعض المجلات الثقافية الشهيرة العربية والأردنية ، مثل كتب نجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكريا تامر وحنا مينة وعبد الحليم عبد الله واسماعيل فهد اسماعيل والطيب صالح, وبعض كتب النقد الأدبي كذلك.

‎الأدب العالمي
‎وفي تلك الفترة أو ما قبلها بقليل نشطت دار نشر «الكتاب اللبناني» ، التي كانت تصدر كتبها في كل من بيروت وبغداد ، في إصدار أهم وأشهر الروايات العالمية القديمة مترجمة إلى اللغة العربية ، بطبعات شعبية بورق أصفر زهيد الثمن, حيث كانت تباع تلك الروايات والكتب والقصص بمبلغ (25) قرشاً للكتاب فقط, وهي كتب لكل من همنغواي, تولستوي, دوستوفسكي, ديكنز, هيجو, مورافيا... الخ.
‎وكان الكثير من الأدباء والقراء يأتون لشراء وقراءة هذه الروائع بكميات وعناوين مختلفة – لأنها فرصة ذهبية لا تُعوض – وهكذا اطلعت بشكل جيد على هذه الآداب العالمية.
‎ثم هناك كانت الكتب الحديثة بورق أبيض والأكثر ثمناً مما سبق ذكره, لكنها كانت كذلك مناسبة الثمن إلى حد معقول, فاشترينا وقرأنا كتب سارتر وألبير كامي وألبرتو مورافيا وكولن ويلسون وكتب عن جيفارا وماوتسي تونغ, وكتب المفكرين العرب لكل من زكي نجيب محمود, وأدونيس وغالي شكري وأنيس منصور, ود. مصطفى محمود, ... الخ.
‎وكتب لكل من طه حسين, احسان عبد القدوس, يوسف السباعي, العقاد, جبران خليل جبران, وكتب أخرى للفيلسوف هربرت ماركوز, جمال عبد الناصر, الملك الحسين, لينين, ماركس, محمد حسنين هيكل, صادق جلال العظم, يحيى يخلف ، غادة السمان, جبرا ابراهيم جبرا, كوليت خوري... الخ.

‎جرائد مصرية ولبنانية
‎وبعد نكسة حزيران عام 1967, أخذ الناس والقراء يهتمون كثيراً بقراءة الجرائد والمجلات العربية التي تتحدث عن أحوال وصمود العرب بعد هزيمة  حزيران .. لأنها تبث الروح والتفاؤل في نفوس العرب, لذا فقد أخذت الصحف تهتم وبشكل مثير بأخبار المقاومة والمؤتمرات العربية, ومحاولات التوحد والوحدة ما بين بعض الأقطار العربية ، وخطابات الحكام والرؤساء العرب ورؤساء المنظمات الفلسطينية والعربية. لذا اقبل الناس على شراء وقراءة تلك الصحف بشكل نهم ، حيث كانت تستعين بإبراز المانشيتات المثيرة والصور المبهرة.
‎وكان حسن أبو علي يذهب إلى مكان توزيع الصحف العربية والقادمة من مصر ولبنان وهي (وكالة التوزيع الأردنية لصاحبها رجا العيسى في أول طلوع الحايك بجبل عمان) ليحضر مئات الصحف والجرائد المثيرة بأخبارها ليعرضها على بسطته تلك ، ويبيع منها عشرات المئات, مثل جرائد الأهرام والجمهورية والأخبار, والصحف اللبنانية الشهيرة مثل الأنوار والنهار والحياة والمحرر... الخ.
‎ثم المجلات المصرية مثل المصور وآخر ساعة و روز اليوسف, والفنية والثقافية منها مثل الكواكب والهلال، وغيرها اللبنانية الثقافية مثل الأديب والآداب ، والفنية كالموعد والشبكة والحسناء والمصرية النسائية مثل حواء, عدا عن مجلات الأطفال وغيرها السياسية, اللبنانية مثل: الصياد والأسبوع العربي, والحوادث والوطن العربي... الخ, كذلك المجلات والصحف الكويتية مثل: العربي ، الوطن, السياسية, الرأي العام, البيان, العربي, النهضة, القبس... الخ.
‎أما من أشهر الجرائد الأردنية الأسبوعية فقد كانت جريدة الحوادث, وأخبار الأسبوع, واللواء, ثم فيما بعد شيحان.

‎دخل التاريخ
‎لذا فإن بسطة حسن أبي علي دخلت التاريخ الثقافي الأردني, فما من مثقف أو سياسي أو أديب أو فنان إلا وتعامل مع كتب وصحف وصداقة أبي علي شخصياً.. وذلك لأنه يتميز بحس ثقافي رائع، ويعرف ما هي الكتب القيمة والهامة والمفيدة لزبائنه ، من كل فئات المجتمع وأفكاره وأمزجته الثقافية, عدا عن أن لأبي علي حضوراً وكاريزما محببة!! في قسمات وجهه وحديثه وترحيبه وأحاديثه الجذابة القريبة للقلب والروح.
‎ومن أجل هذا فلا نستغرب لِمئات المقالات واللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي سبق أن أُجريت معه, كذلك دخول اسمه وشخصيته في عشرات من الروايات والقصص والقصائد الأردنية والعربية لشخصيته العمانية المؤثرة.
‎كشك الثقافة العربية
‎وفي منتصف السبعينات أو بعد ذلك بسنة أو سنتين تم انتقال بسطة ابي علي من دخلة ماضي إلى كشكه المعروف الآن بجانب مبنى البنك العربي – دخلة حلويات حبيبة, حيث بدأ مشواراً تكميلياً لما سبق من مسيرته الثقافية ، مع عالم الصحف والكتب والتواصل مع مثقفي الأردن والعالم العربي كذلك, والذين منهم قد أصبحوا أصدقاء حميمين له مثل: الشاعرة فدوى طوقان, عبد الوهاب البياتي, سميح القاسم, والمفكر الخليجي محمد المسفر, والكثير الذين لا تحضرني الآن أسماؤهم, عدا عن معظم أدباء وشعراء وكتاب وصحافيي وسياسيي الأردن من وزراء ورؤساء وزراء.

‎كتب هامة متنوعة
‎وفي كشك الثقافة العربية زاد الاهتمام بتنوع الكتب المعروضة ، التي يعرف أبو علي أهميتها وحداثتها على الساحة العالمية والعربية والأردنية.. لذا نراه كان من الأوائل الذين أحضروا أهم الكتب والروايات العالمية والعربية الحديثة لعرضها وبيعها للقراء الأردنيين والعرب هنا في عمان.
‎فقد اهتم بإحضار كتب ماركيز وأهمها مثلاً «100 عام من العزلة» , وكتب وروايات ابراهيم الكوني, وأمين معلوف, وجورج أمادو, وكارلوس فونتس, وجورجي بورخيس, وايزابيل الليندي, وسارا ماجو, وامبرتو إيكو, وأورهان باموق, أحلام مستغانمي, سميحة خريس, وزياد قاسم, وابراهيم نصر الله, وجمال ناجي, وإلياس فركوح, مؤنس الرزاز, هاشم غرايبة, هزاع البراري, وبسمة النسور.
‎وكتب أخرى في الفكر والأديان والسياسة ، ومذكرات كبار شخصيات العالم العربي والأجنبي, ومؤلفات دين براون والكتب التي تتحدث عن العدو الصهيوني وشخصياتهم الشهيرة منذ القديم, وكتب الساسة الأردنيين والعراقيين والفلسطينيين وغيرهم.

‎الأب الروحي للثقافة
‎وحسن أبو علي حالة ثقافية خاصة ومميزة ونادرة في مشهدنا الإعلامي الأردني بل العربي, لأنه خدم الثقافة والوعي والفكر لدى العديد من أبرز شخصيات هذا البلد ومن كل التخصصات.. فقد اعترف الكثير منهم قائلين: لقد تعلمنا من كتب أبي علي مثلما تعلمنا من جامعات الأردن. ومنهم من أكد أنه كان يشتري الكتب منه بالدين وعلى الدفتر, ومنهم من يقترض المال أيام الزنقات.
‎والكثير من زبائنه أصبحوا أصدقاء مقربين فهناك بينهم اللقاءات والزيارات الدائمة في الكشك أو البيت.. حتى أن بعض الأدباء والصحافيين الذين توفاهم الله من أصدقائه كان أبو علي يستقبل التعازي فيهم بعد  مدة من الزمن للذين فاتهم الذهاب لبيت العزاء أو لم يعرفوا مكان العزاء.. فهو أب وأخ للجميع.
‎لذلك فلا غرابة أبداً أن يكون كشك حسن أبو علي للكتب والصحافة معلماً حضارياً وسياحياً من معالم عمان الجميلة والتراثية.
‎ولكل هذا فقد استحق صاحب هذا الكشك الصغير والعظيم في أثره وتأثيره الثقافي الأردني أن ينال من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وسام الاستقلال من الدرجة الرابعة عام 2007.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :