ذكريات «50» عاما في شارع طلال وسط عمان

اخبار الناس- ذكريات «50» عاما في شارع طلال وسط عمان
وليد سليمان

هاجني الشوق وأرجعني الحنين الى خمسين عاما ماضية.. كانت لنا فيه حياة وذكريات في هذا الشارع الشعبي ، وهو من أشهر شوارع عمان القديمة.. وذلك عندما شاهدت صورتين قديمتين لهذا الشارع منذ أسابيع قليلة !! .
فمنذ الصغر وعمري سبع سنوات عام 1960 كنت أرافق أمي للذهاب للتسوق من سوق الخضار الكائن في دخلة من دخلات هذا الشارع الشهير بالحركة التجارية النشطة .

سوق الخضار

وكانت أمي تحمل سلة من البوص (القصب) لتضع فيها الخضار والحاجيات الاخرى التي كانت تشتريها وأخرى أطلبها مثل شراء الفلافل والهريسة ... الخ .
وكان سوق الخضار – والذي ما يزال موجودا حتى الآن – يتكون من منطقتين : منطقة علوية على مستوى الشارع ومنطقة سفلية تحت مستوى الشارع بنزلة ترابية بسيطة بمحاذاة سيل عمان, حيث هناك أيضا باعة الخضار والفواكة, وكذلك سوق السقط (سوق الكرشات) الذي اختفى منذ سنوات طويلة .
هذا وقد قرأت في بعض المراجع وشاهدت صورا قديمة كذلك لهذه المنطقة حيث كانت هناك مقبرة في نفس موقع سوق الخضار هذا, والذي أعتقد أنه أنشئ في أربعينيات القرن الماضي .
وبعد ذلك بسنوات حيث أصبح عمري حوالي 13 سنة صرت أرافق والدي أيام الجمعة للذهاب لسوق الخضار للتسوق الأسبوعي, حيث كان يشتري أغراضا كثيرة بمرافقة حمال (عتال) بسلة بوص ضخمة يحملها على ظهرة .. وفي آخر التسوق كان والدي يتفق مع الحمال على أجرته ويعطيني إياها, ويذهب هو إلى المسجد الحسيني الكبير لصلاة الجمعة .. بينما أنا أرافق الحمال إلى منزلنا الكائن في أول رأس العين وهناك نفرغ حمولة السلة ويستريح الحمال قليلا مع شرب كاسة شاي مع نقده أجرته وشكره على تعبه .

السينمات والأفلام
وكنت أحاول الرجوع إلى شارع طلال إذا كان الوقت ما زال باكرا وذلك حتى أحضر مشاهدة الأفلام السينمائية في سينما دنيا الشعبية والشهيرة بعرضها لفيلمين عربي وأجنبي بتذكرة واحدة ثمنها (5) قروش فقط .. وإذا كان الوقت قد أصبح متأخرا فأنني أؤجل حضور الافلام في هذه السينما إلى حفلة العصر في الساعة الثالثة .
وفي تلك الدار- دار سينما دنيا كنت أحضر فيها الافلام إما لوحدي أو بمرافقة البعض من أصدقاء الحارة أو الاقارب ممن هم في عمري او جيلي .
وفي تلك السينما كنا نتوق شوقاً لحضور الافلام العربية وبالذات إذا كان الفيلم من بطولة وحش الشاشة الفنان فريد شوقي .. حيث كان لنا هذا الفنان في تلك الفترة قدوة ومثلاً أعلى في قوته وشجاعته ومحاربته الظلم والأشرار والعصابات ... الخ .
وكنا في مرات نجتمع في الحارة كي يعدد كل فرد منا عدد الافلام و أسمائها التي شاهدناها سابقا من بطولة فريد شوقي البطل الهمام .
وفيما بعد من السنين أخذنا نحن الاصدقاء الصغار نحضر بعض الافلام السينمائية في السينما الشعبية الأخرى (الكواكب) وكنا لا نستمتع إلا بحضور الافلام في سينما دنيا, حيث الراحة النفسية أكثر .. ومن أجواء سينما دنيا انه بعد عرض الفيلم الأول تُضاء الأضواء للاستراحة ، حيث السماعات تبث أغاني أم كلثوم أو فريد الأطرش عادة .. ثم يبدأ بعض الحضور بشراء الكازوز والرز بالحليب والشوكولاته من الباعة المتجولين في الصالة .
وعندما كبرنا قليلا أخذنا نحضر الافلام السينمائية في الصالة الجديدة والفخمة وهي سينما الحمراء قرب سوق الخضار, وكانت بها لوج كبير لمن يريد الجلوس في الطابق العلوي وبتذكرة ثمنها أعلى من الصالة السفلية, وكانت تعرض خليطا من الافلام العربية القديمة والحديثة والاجنية والتي سبق عرضها قبل أسابيع قليلة في صالة سينما بسمان الفخمة والراقية في شارع بسمان .

ستوديوهات التصوير
وأذكر أنه من أقدم استوديوهات التصوير الفوتوغرافي كان « ستوديو دنيا « والذي ما زال مكانه حتى الآن في هذا الشارع عند أول طلوع القبرطاوي, وفي العام 1960 أو قبل ذلك بسنة ذهبنا أنا ووالدي وأخي وأختي كي نتصور صورة عائلية في هذا الاستوديو .. وكانت أمي لم تزل على قيد الحياة فرجوناها ان تأتي معنا للتصوير للذكرى كصورة عائلية لكنها رفضت بشدة !! وتوفيت بعد ذلك بسنوات قليلة ..ولم يُؤخذ لها أية صورة على الاطلاق !!.
والاستوديو الثاني الشهير والذي اختفى منذ سنوات طويلة هو « ستوديو الرينبو» حيث كنا كذلك نتصور فيه معاً نحن الأصدقاء وبعض الأهل في فترة الستينات .. وكان بينه وبين ستوديو دنيا أشبه بالمنافسة في إخراج الصور الجميلة .. لكن تلك المنافسة لم تدم طويلا .. وظل ستوديو دنيا قائما له زبائنه القدامى والجدد حتى الآن .

محلات ودخلات
وشارع الملك طلال الاول تميز مؤخراً بازدياد إفتتاح محلات العطارة والاعشاب فيه، وكذلك متاجر البازارات للتحف الشرقية الجميلة.. عدا عن التواجد القديم لمتاجر ومحلات تصنيع ألبسة وديكورات فرو الغنم.
وأيضاً محلات خياطة الخيام والمظلات ومحلات بيع أدوات الخيول والأسلحة ومواد البناء والكوفيات العربية .
والنساء الفلاحات وهن يبعن الاعشاب الطازجة والبيض البلدي وبعض الدواجن عند مدخل سوق الخضار ... الخ.
و هذا الشارع العريق والطريق الذي يُعبّرُ عن روح وقلب عمان التراثية القديمة كان يسمى قديماً بشارع المهاجرين نظراً لقربه من حي المهاجرين الشراكسة.
و في هذا الشارع العديد من الدخلات والاسواق الجانبية والتي لا تسير فيها السيارات نظراً لأنها دخلات غير نافذة.. وان السير فيها فقط يكون على الاقدام.
ومن الدخلات : سوق البخارية والبلابسة ..و دخلة شاسعة هي سوق طلال التجاري والخاص بتجارة الملابس والنوفوتية بالجملة البسيطة وبالمفرق وفي الدخلة أيضاً مدخل فندق الامراء القديم.. ثم وعلى بعد 50 مترا سنجد دخلة عجاج الشهيرة حيث مدخلها الضيق والذي تعج فيه حركة الداخلين والخارجين وسط أصوات باعة الاغاني السي دي وباعة القهوة السريعة، وبعد معبر هذه الدخلة او السوق (سوق عجاج) سوف نشعر بالدهشة لاتساع وتفرع الطرق والادراج والمحلات الكثيرة التي تختص جميعها ببيع الملابس النسائية والداخلية حيث هذا السوق هو أشبه بالحدائق المعلقة المؤدية لجبل عمان، وفيه أيضاً مخبز وبائع هريسة قديم جدا ومطعم وكفتيريا صغيرة تبيع ساندويشات الكبدة والطحل و.. الخ. لكن عند مدخل سوق او دخلة عجاج هناك الدرج المؤدي الى استراحة تراثية شرقية عربية يرتادها العديد من الرواد واكثرهم من السياح الاجانب .
وبالخروج للسير مرة أخرى في شارع طلال سيراً باتجاه الغرب سوف تصادفنا دخلة أخرى هي دخلة سوق الحميدية الخاص بملابس النساء والرجال بطوابقه العديدة.
ثم نتابع البحث عن دخلات أخرى في شارع الملك طلال فتكون دخلة سوق غرناطة، ثم دخلة مشربش تلك الدخلة التي يوجد بها فندقان قديمان هما: المدينة المنورة وخليل الرحمن، وعند بداية الدخلة المحمص الشهير والقديم جدا محمص البابا ثم بالقرب منه محمص الحموي وهذان المحمصان يوجد لديهما السكاكر والشوكولا العريقة القديمة مثل سلفانا النسر ورام الله.
ونقترب من دخلة أخرى وهي دخلة العاصمة، وقد سميت بهذا الاسم نسبة الى الفندق القديم جدا في هذه الدخلة والذي يسمى بفندق العاصمة.. وفيه أيضا فندق فلسطين ومقهى فلسطين الشعبي على الطابق الثاني المطل على شارع طلال.
وعن دخلة فندق العاصمة فقد كان يوجد بها محلات واشغال وباعة اختفوا جميعاً!!ومن ذلك مثلا في الخمسينات والستينات كان يوجد ما يلي: محل لبيع زيت الزيتون الاصلي البلدي، ومحل خياطة وتفصيل الملابس للخياط المعروف لدى فئات كبيرة من سكان عمان قديما وهو الخياط الماهر (رمضان نمر) وكذلك بائع البالات الشهير (أبو أرتين) ومحل ابو زهرة لبيع لوازم صناعة الاحذية، ومحل لبيع الخبر تابع لمخبز برجوس، ودخلة (سوق القدس) المدلل وهو تاجر شهير ببيع الملابس الشعبية الجديدة بالجملة من ان شارع طلال يتميز بالعديد من الدخلات الشعبية المألوفة والتي يدخلها ويرتادها من هم بحاجة لشراء بضائع معينة.
ونعبر دخلة سوق (الندى) في الجهة الاخرى من الشارع حيث فيه محلات عديدة جدا تبيع كل انواع الالعاب الشعبية الزهيدة الثمن للاطفال جملة ومفرق.. وكل ما تحتاجه الدكاكين والبقالات من أشياء ليست غذائية مثل: العطور والشفرات وأدوات التجميل والاقلام والملصقات وهدايا الاعياد المتنوعة وبالقرب من هذا السوق دخلة أخرى خلف سوق اليمنية تعرف بدخلة (سوق الحلواني) حيث محلات كثيرة جدا متخصصة بتجارة وبيع مواد التجميل للنساء وكل انواع الكريمات والشامبوهات وهذا السوق له عدة منافذ وطوابق أرضية وعلوية.
وبالقرب من المسجد الحسيني وعند أول مدخل شارع البتراء نشاهد دخلة طويلة هي سوق ابو جسار لبيع الاقمشة فقط وهو سوق قديم ولبعض محلاته بابان واحد منها مثلا يطل على شارع الملك طلال اما الثاني فيطل على هذه الدخلة.. وهناك سوق ريم المتخصص ببيع الحرامات الشتوية.
وعندما نذهب هناك بعيدا نحو سينما دنيا (حيث اغلقت نهائياً قبل حوالي 15عاما) فبالقرب منها هناك دخلة صغيرة واصلة ما بين شارع طلال وشارع سقف السيل ولكن مع درج يصعد عليه نحو سقف السيل سنجد المحلات العريقة والقديمة ببيع الاثاث وهي محلات خليل مشعل ومحلات أثاث أخرى.

المهن الشعبية
ومن المعروف ان شارع الملك طلال هو اقدم شارع في مدينة عمان.. لذا فقد اكتسب هذا الشارع بمحلاته الصغيرة التراثية هذه الخاصية المميزة من وجود محلات تجارية ومهنية قديمة جدا ما زال اكثرها يحافظ على هذه المهن التاريخية.. حتى اننا يمكن نشبه شارع الملك طلال بامتداده بسوق الحميدية الشعبي في مدينة دمشق!! فهل يعقل او يمكن لسوق الحميدية الشهير بدمشق ان يستبدل محلاته التجارية الفلكلورية بمحلات اخرى مثل الكوفي شوبات والمولات والمحلات المودرن؟!! لا.. فهذا مستحيل وبذلك سوف تفقد دمشق اصالتها التاريخية.. وكذلك شارع الملك طلال لا يمكن لنا ان نحوله الى شيء آخر حديث جدا.. فالحديث جدا له اماكن ومناطق اخرى في عمان الحديثة.. ولو حصل هذا فاننا نكون نحن الذين نقضي على الطابع العريق والعزيز لذاكرة عمان الشعبية التي يبحث عنها الزوار والسواح وحتى ان المغتربين من ابناء الوطن.. ففي شارع طلال نلاحظ يوميا افواج السياح الذين يسيرون فيه وهم مندهشون ومستمتعون باصالة هذا الشارع الشرقي والعربي الاصيل في عمان.. انهم لا يستمتعون بالشوارع والمحلات التجارية الحديثة في مناطق عمان الاخرى والتي لا يشعرون فيها بأي شئ ملفت او جديد بالنسبة لهم فهم لديهم كل ذلك الحديث في بلدانهم ودولهم الاجنبية.
هذا و بضائع هذا الشارع سعرها شعبي ومعتدل حيث يقبل عليها اصحاب الدخل المتدني والمتوسط بكل اريحية وجسارة.

البخارية و اليمنية !
وعندما يدخل المتجول في شارع طلال الى سوق البخارية فإنه يشاهد هذا التمازج الحضاري بين كل ما هو قديم وحديث.. فهناك المحلات المزينة بالمسابح، والتحف . الخزفية إلى المنسوجات  منتجات والأخشاب والخيزران والصلصال وتلك التي تصنع منها الأدوات المنزلية القديمة بالإضافة إلى أدوات الموسيقى مثلا العود والدفوف والنايات والجيتارات الربابة.
وهناك الكثير من البضائع الحديثة والتي تنتج بلمسات حرفية رائعة يخيّل فيها للزائر وكأنها تحف أثرية قديمة
كما تتوزع المحلات التجارية والبالغ عددها (23) محلاً حسب نوعية البضائع التي تقوم ببيعها.. ويمكن تصنيفها إلى محال لبيع أدوات ومستلزمات الحلاقين، وأدوات ومستلزمات الخياطة والتطريز، ومستلزمات مشاغل الخياطة والكلف، وهناك محال لبيع الإكسسوارات والمنسوجات .  ، ومحال لبيع العطور
من أهم المميزات التي تميز سوق البخارية عن باقي الأسواق في مدينة عمان، أنه يحتوي على بضائع لا تتوافر إلا في هذا السوق. كما يتميّز أيضاً بعلاقات الجيرة المميزة بين أصحاب هذه المحال، حيث أنهم ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ..
ويتميز سوق «اليمنية»، كما يُسمَّى حاليا- نسبة الى بلاد اليمن بنكهته الشعبية وبساطته؛ إذ ما يزال السوق يضم منذ سبعين عاما، إلى جانب محلات بيع ملابس البالة، محلات لبيع الملابس الجديدة بأسعار زهيدة، ومحلات حلاقة، كما يضم مقهى صغيرا ومطعماً شعبياً .
ويتميز سوق اليمنية بتواجد أكثر من خياط تصليح الملابس و «تقييف» البدلات.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :