‎مصطفى صالح: لقد كبرت أنا وعمّان سويّاً!

‎اخبار الناس‫-‬ وليد سليمان
‎تصوير‫:‬ محمد القرالة


‎بينما كنا نسكن في بيت طيني متواضع قرب شركة الكهرباء في منطقة رأس العين في عمان، كنا نشعل سراج الكاز فقط، ولم يكن التيار الكهربائي يصل الى بيتنا. هكذا حدثنا الكاتب التلفزيوني والمسرحي والصحفي المعروف مصطفى صالح، اثناء حديثنا معه كي يوضح لنا عن آخر اعماله الدرامية التلفزيونية وهو المسلسل الاردني (شارع طلال)؟!.


‎يقول كاتب السيناريو مصطفى صالح: لقد عاصرت وانا شاهد عيان تطور مدينة عمان منذ الصغر، خطوة بخطوة ويوما بيوم فعمان مدينة مظلومة!! فقد احتضنت موجات عديدة من المهاجرين وقدمت لهم كل ما تستطيع الام ان تقدمه لابنائها، دون انتظار المقابل ومن حقها عليها ان نبرز هذا الدور للاجيال القادمة والتاريخ.

‎ومؤلف المسلسلات البدوية الاردنية الشهيرة مثل "وعد الغريب" والذي عرض على الفضائيات العربية في رمضان الماضي، يؤكد لنا:

‎ان الصعوبات التي تواجه تنفيذ عملي التلفزيوني الجديد (شارع طلال) بسبب تكلفته المالية العالية لا اجدها مبررا لظلم مدينة عمان العريقة، وعدم اعطائها حقها الانساني والتاريخي.

‎فلو وُجد هناك مخلصون لتاريخ هذه المدينة لتكاتف الجميع في سبيل انتاج هذا العمل، وليس مهما ان اكون انا كاتبه!! المهم ان يُكتب عن عمان.

‎وعمان يمكن ان يُكتب عنها عشرات المسلسلات من وجهات نظر مختلفة، لانها مليئة بالتاريخ والاحداث والقصص والحياة النابضة بكل التنويعات.

‎شارع طلال منذ 1953:

‎وعندما طلبنا من المؤلف والصحفي والرياضي مصطفى صالح ان يعطينا فكرة سريعة عن ملامح هذا المسلسل المتوقف قيد التنفيذ قال: قدمت هذا العمل الفني للمركز العربي للانتاج الفني من جزئين كل جزء ثلاثون حلقة، واظن انه سيلاقي صعوبات كبيرة بانتاجه نظرا لاختلاف الظروف والبيئة وفن العمارة ما بين الاعوام 1953 وحتى الآن 2016.

‎تكلفة هذا المسلسل

‎ومن صعوبات انتاج هذا المسلسل كما اشار اليها مصطفى صالح هو اختلاف المواقع؟! حيث ان جغرافية المكان طرأ عليها تغيير كبير كما ان المهن الشعبية معظمها اندثرت، وحل مكانها مهن ومحلات جديدة لم تكن معروفة في السابق.

‎والتغيير لم يطرأ على المكان فقط بل كذلك على الناس فقد اصبحت ترى اعدادا كبيرة من الوافدين يعملون في المهن المختلفة وهؤلاء نقلوا عادات وتقاليد لم تكن معروفة لدينا لذا فان تكلفة هذا المسلسل ستكون عالية جداً.

‎وتبدأ احداث مسلسل شارع طلال منذ عام 1953 الى ما بعد ذلك من عقود السنين.

‎واول مشهد في المسلسل كان يوم تتويج جلالة المغفور له باذن الله الملك الحسين بن طلال في ساحة المسجد الحسيني الكبير في عمان التي تُعتبر من ضمن منطقة شارع طلال – وهنا يروي لنا الكاتب القصصي والناقد الفني مصطفى صالح ما شاهده شخصيا من احتفال التتويج للملك الراحل الحسين بن طلال بتسلمه سلطاته الدستورية ملكاً على الأردن، حيث ركب واولاد حارته في رأس العين في سيارة شاحنة كبيرة خاصة لجار لهم مع ابناء حارته للنزول الى وسط البلد من خلال شارع الملك طلال وصولا الى الساحة الكبيرة الخارجية للمسجد الحسيني التي كانت تقام بها العديد من الاحتفالات والاستعراضات العسكرية وغيرها عادة في تلك الفترة من اربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حيث شاركت يومها جماهير غفيرة هذا الاحتفال بتتويج الملك الحسين وسط احتفالات الفرح والبهجة وعزف موسيقات الجيش والدبكات الشعبية، ومن ثم سار موكب الملك الحسين وحاشيته الى مقر مجلس الامة الاردني الكائن في الدوار الاول في جبل عمان.

‎قصة تطوّر عمان:

‎ومسلسل شارع طلال يروي لنا قصة تطور مدينة عمان العاصمة منذ عام 1953 وحتى بداية الالفية الثانية من خلال العلاقات ما بين مختلف العائلات الاردنية ومن ذات المنابت والاصول الشامية والشركسية والفلسطينية والارمنية والكردية واليمنية والحجازية.. وهذه العائلات كانت تعكس الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وبعضها يعكس الحياة السياسية، حيث نشطت في بداية الخمسينيات بشكل ملحوظ من تأسس الاحزاب بمختلف توجهاتها، من الاخوان المسلمين والشيوعيين والقوميين العرب والبعثيين.

‎وكانت مساحة الحرية مساحة واسعة حيث مارستها تلك الاحزاب، حتى ان حكومة سليمان النابلسي عام 1956 تشكلت من الائتلاف الحزبي قبل ان يتم حلها وان يتم حظر الاحزاب في ذلك الزمن.

‎لذلك فان التنوع السكاني في عمان كان شارع طلال نموذجا له حيث هناك عرض لهذا التطور والتنوع والتشابك الجميل والرائع لمختلف نواحي الحياة العمّانية من بشرية واقتصادية وسياسية وعمرانية واجتماعية.

‎الاماكن الحيوية في شارع طلال:

‎عيادة الطبيب الحزبي جورج حبش كانت في شارع طلال, وعيادة الطبيب البطيخي عند نهاية شارع طلال او شارع المصدار, وهو اول طبيب اسنان في الاردن. والاماكن الحيوية في شارع طلال كانت هي منبع الحركة التجارية ابتداء, من سوق البخارية وهو سوق اسسه حجاج بخاريون تقطعت بهم السبل وسكنوا في عمان واقاموا سوقهم الخاص في شارع طلال.

‎وسوق السكر اسسه تجار من الشام وفلسطين, ثم سوق اليمنية وهو سوق اقامه يمنيون من اليمن السعيد قدموا للجهاد الى فلسطين, وبعد النكبة استقر بعضهم هنا في عمان وبدأوا ببيع الملابس المستعملة على الرصيف في شارع طلال قبل ان يؤسسوا السوق المعروف باسمهم سوق اليمنية الشعبي الشهير.

‎وفي شارع طلال كان لسوق الخضار القديم وما زال حركته التجارية والاجتماعية, حيث قديماً كانت سيارات الخضار تقف قرب الرصيف بجانب هذا السوق ليتم بيع الخضار والبطيخ لباعة السوق بالمزاد العلني, ومعظم تجار سوق الخضار هم من اربد والخليل.

‎وكان كل اهالي عمان ينزلون لهذا السوق للتسوق من الخضار والفاكهة.. الغني بجانب الفقير في السوق. وهناك في الشارع سوق الفحامين اخر شارع طلال, وسوق الخبز وسوق الكرشات وسوق الحدادين قرب السيل.. الخ.

‎عمان.. البساطة والانسانية:

‎ومن خلال مجريات احداث مسلسل شارع طلال فإن كاتب قصته وحواره «السيناريست» مصطفى صالح قد ركز كما قال على ان التفكير الديني كان انسانياً جداً لدى سكان شارع طلال وعمان في المجمل, فهم يحترمون كل قادم غريب يمر بعمان للحج مثلاً.. حيث يقدمون له كل الخدمات مجاناً, وله تقديسه اي احترامه الكبير جداً. كذلك تقديس واحترام الكبار في السن, مهما كانت الظروف.. فالكبير يحترم ولا يهان ابداً, وتقدم له الطاعات.. فاللحمة الاجتماعية كانت موجودة بشكل قوي.. ليس فقط بين افراد العائلة.. بل بين افراد الحي والمنطقة والبلد ككل.

‎حكاية الطفل الضائع!!

‎ومن احداث المسلسل وهو حدث حقيقي حصل قديماً أن ضاع طفل ما.. وعثرت عليه امرأة عجوز, فقامت تلك المرأة الحكيمة بتغسيل الطفل واطعامه وقص اظافره.. ثم ابلاغ الشرطة الذين شكروها وقرروا ابقاء الطفل عندها ريثما يجدون أهله وبالفعل بعد ايام جاء اهل الطفل واستقبلتهم العجوز، لكنها اعطتهم درسا رائعا «بهدلة ادبية» في كيفية الحفاظ على الابناء الصغار.

‎لذا فقد كانت الطيبة والبساطة والنخوة وحب التعاون «بعيدا عن الغش والخداع والكذب» هو السائد قديما بين اهل عمان الكرام، حتى ان البساطة والتمسك بالقيم بغض النظر انها دائما صحيحة كانت تتمظهر في بعض العادات والتقاليد في الحياة الاجتماعية مثل الزواج حيث ان البنت لابن عمها اولا.

‎ويذكر في المسلسل حادثة زواج فتاة جميلة جدا من ابن عمها الابله، لان ذلك كان من العادات التي لا يمكن الخروج عليها.

‎رأس العين وسيل عمان

‎في اشارة الى اماكن واحداث اخرى مهمة في مسلسله فقد اوضح مصطفى صالح صاحب المسلسلات الشهيرة «رأس غليص» و»عيون عليا» و»نمر بن عدوان» و»جرح الغزالة» كان منها مثلا:

‎سيل عمان ورأس العين، حيث ان هذا المسلسل الدرامي يسرد تاريخ عمان من خلال الوقائع المتشابكة والمتسلسلة بين مختلف اطياف المجتمع، ومنطقة رأس العين المعروفة في عمان اخذت حيزا وافرا في المسلسل لانها قديما كانت منطقة فيها المقومات الاساسية لحياة اهل عمان مثل نبع ماء رأس العين، وماتور الكهرباء القريب من نبع رأس العين المشرف عليه قديما شخص ارمني حيث كان هذا الماتور الكهربائي يضيء بعض اجزاء من عمان والسوق التجاري.

‎وسيل عمان والذي كان يخترق وسط مدينة عمان القديمة والشعبية كان له دور مؤثر في حياة الناس كذلك، ففيه كان العديد من نبعات ماء الشرب والغسيل والاستحمام، وماء الزراعة للكثير جدا للبساتين الجميلة التي كانت تحيط بالسيل قديما، وتجار الحلال والمواشي كانوا يعرضون مواشيهم على جانب وقرب ماء السيل كل اسبوع مرة او أكثر، وعندما يحد السيل اي يفيض ماؤه فوق المألوف في ايام الشتاء فقد كان يُشكل خطرا على البيوت القريبة من السيل والناس والسيارات وحتى الحيوانات كذلك.


التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :