أقراص النحل.. أكثر من مجرد شمع !

اخبار الناس- د. نزار جمال حداد*
 
يُمضي نحل العسل حوالي 90% من حياته إما داخل العيون السداسية في الأقراص الشمعية أو عليها، وقد وصف بعض العلماء أقراص شمع النحل وكأنها عضو حي داخل الخلية، وكان ذلك مستمداً من فكرة أن القرص الشمعي يلعب دورَ الرحم عند الثدييات حيث تتابع أطوار النمو من البيضة حتى الحشرة الكاملة في داخل الاقراص الشمعية. كما وصفه آخرون بأنه شبكة الاتصالات لان النحل يستخدم سطح القرص الشمعي في نقل الرسائل بين افراد الخلية سواء عبر الاهتزازات التي ينفذها النحل فوق القرص الشمعي أو عبر الروائح الكيميائية والخلاصات الفرمونية التي يستشعرها النحل بقرون استشعاره، ووصفه غيرهم بمستودعات الغذاء كون هذه الاقراص الشمعية هي مكان تخزين العسل وخبز النحل المصنع من حبوب اللقاح والرحيق ووصفه وآخرون بالمسكن لقضاء النحل جُل عمره عليه.
كما يتميز عش النحل ومسكنه في الطبيعة والحياة البرية؛ بأنه تجويف اختاره النحل بنفسه وأثثه بنفسه بشمعه الذي أفرزه من غدده الشمعية الخاصة، وبناه على شكل إطارات تتدلى من سقف التجويف لتحمل كل ثقل المحتويات من حضنة وحبوب لقاح ونحل، وتبقى ثابتة ولكنها مرنة في آن واحد لتنقل ذبذبات الصوت بكفاءة عالية. هذه المواصفات جميعاً؛ تجعل من الضروري الاهتمام بهذه المادة التي من الممكن أن تصبح منتجاً مدراً للدخل في حال بيعه كمادة خام، أو يعاد تدويرها وتصنيعها على شكل أساسات شمعية من قبل مربي النحل، أو إدخالها في بعض الصناعات التحويلية والصيدلانية.
 يتم إنتاج وإفراز الشمع من ثماني مجموعات من الغدد الشمعية في أسفل الجهة البطنية من الحلقات الأربع الأخيرة من جسم النحلة. هذه المنطقة التي تقع تحتها غدد الشمع؛ تنمو ببطء حيث تحتاج إلى بضعة أيام حتى تنجز نموها الكامل. وتصل ذروة إنتاج النحلة للشمع في الأيام الثاني عشر وحتى اليوم الثامن عشر من حياتها ثم تتراجع قدراتها تدريجياً في إفراز القشور الشمعية. إلا أنه في حال استدعت الحاجة بناء الأقراص الشمعية؛ فإن النحل سيكون قادراً على إفراز القشور الشمعية لسد احتياجات الخلية.
وما إن تبرز الصفائح الشمعية من جسم النحلة؛ حتى تلتقطها بأجزاء خاصة على أرجلها الأمامية، لتستخدم بعدها فكيها لعجن هذه القشور، وتقوم برفع درجة حرارتها وتفرز عليها مواد تجعلها قابلة للتشكيل. وتحتاج نحلة العسل إلى حوالي أربع دقائق لجعل قشرة شمع واحدة جاهزة للتشكيل، ولتتمكن من تصنيع حوالي 8,000 عين سداسية سيحتاج النحل إلى حوالي 100 غرام من الشمع والتي تقدر بحوالي 125,000 صفيحة شمعية. ويحتاج النحل لاستهلاك حوالي 7,5 كغم من العسل ليتمكن من إنتاج 1.2 كغم من الشمع. وبمرور الوقت؛ ستبني النحلات حوالي 100,000 عين سداسية، تمثل محتوى عشٍ متوسط المقاس. ولدى النحل قدرة على رفع درجة حرارة الشمع لتصل إلى 43 درجة مئوية، مما يجعل النحل قادراً على تشكيله. ويتحول الشمع من شكله كصفيحة إلى الشكل الذي نشاهده في الأقراص الشمعية؛ عندما ترتفع درجة حرارته فوق 40 درجة مئوية تقريباً، وتعتبر هذه الدرجة بداية التحول في شكل الشمع.
ويعتبر قرص الشمع مستودعاً للمعلومات المخزنة بطريقة كيميائية تعبر عن حالة الخلية الصحية، ووضع العين السداسية واستعدادها لاستقبال البيض على سبيل المثال، إضافة إلى العديد من المعلومات التي لا مجال لذكرها هنا. وتتأثر تركيبة شمع العيون السداسية بمرور الزمن بتبخر مكونات الشمع في هواء الخلية الداخلي، كما تتغير بنية الشمع بسبب الخمائر التي تمزجها النحلات مع الشمع أثناء بنائه، كما يتأثر بطبيعة الخمائر التي يحتويها سواء العسل أو خبز النحل المخزنة فيه. وتتغير طبيعة الشمع بسبب بقايا اليرقات وأوساخ الحضنة ونتائج تعقيم النحل للشمع بالبروبوليس، مما يؤدي إلى تلون الشمع وصولاً إلى اللون الأسود، وفي كثير من الأحيان يحدث في الحياة البرية أن يقوم النحل بهجرة الخلايا بعد وصول الشمع إلى اللون الأسود. وعند إذابة النحالين للإطارات لاستحلاص الشمع فإن نسبة الشمع من إجمالي وزن الإطار تتفاوت، وكلما أصبح اللون داكناً كلما كانت نسبة الشمع النقي أقل؛ حيث تبلغ في الإطار حديث البناء حوالي 100%، وفي البني 60%، والبني الداكن حوالي 50%، وتنخفض لتصبح حوالي 45% في الأسود. ويكون السبب وراء هذا التباين هو الألوان من الفاتح حتى الأسود هو ازدياد كمية الانسلاخات اليرقية والبروبوليس ومسببات تلوث الإطارات بزيادة عمر الإطار، إلا أن هذا الشمع في الخلايا الحديثة يعتبر مصدر دخل إضافي لمربي النحل في حال أحسن إدارته.
ولا تُعبر كلمة «شمع» بالضرورة عن شمع النحل فحسب؛ حيث أن هنالك العديد من المركبات التي تسمى شمع، ومنها ما هو طبيعي ذا مصدر نباتي أو حيواني ويتم تصنيعه واستخلاصه بطرق مختلفة حسب مصدره. كما تمكن الإنسان من تصنيع أنواع شمع ذات مصادر بترولية، لكن يبقى شمع النحل الأفضل بين جميع المنتجات التي يطلق عليها اصطلاحاً «شمع»، من ناحية الخواص الطبيعية لشمع النحل بالمقارنة مع المصادر الأخرى. كما يعتبر شمع النحل مهماً كونه يمكن أن يدخل في العديد من الصناعات الغذائية والدوائية والصناعية المختلفة، بالإضافة إلى استخدامه في صناعة الأساسات الشمعية التي تستعمل في تربية النحل.
تبقى المعضلة الأساس هي طريقة معاملة الشمع عند صهره، وبخاصة في حال احتواء الأساسات الشمعية المستخدمة من قبل مربي النحل على نسب عالية من المواد الصناعية كشمع  البرافين والسيرازين، فينتج عن ذلك شمع يصلح من ناحية الشكل للاستخدام كأساس شمعي؛ إلا أنه غير مقبول من قِبل النحل، فيقوم بالتخلص منه أو يبني فوقه دون الاستفادة من الأساس الشمعي. كما أنه في حال عدم تعقيمه بالطريقة الصحيحة؛ فإنه قد يصبح مصدراً للعدوى ونقل الأمراض وبخاصة في حال تواجد أبواغ عفن الحضنة الأمريكي فيه.
كما يدخل الشمع في عدد من الصناعات الطبية، ويفضل بعض ممارسي الطب البديل والشعبي وصف «العسل بشمعه» وكذلك الشمع بعد صهره لعلاج عدد من الأمراض مثل التهابات الجيوب الأنفيّة والزكام ونزلات البرد والحساسيّة وعلاجات بعض الأمراض الجلدية والقروح والتهابات اللثة ومشاكل الأسنان. ويدخل الشمع في صناعة العديد من مواد التجميل والعناية بالبشرة وصناعة الزيوت العطريّة لرائحته الزكيّة وقدرته على التطهير والتعقيم وصناعة الشموع، ويدخل في صناعات النسيج والأثات ودباغة الجلود.
*رئيس الاتحاد النوعي للنحالين الاردنيين
drnizarh@gmail.com


التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :