د. كميل فرام يكتب.. رسالة إلى ولدي وسط عواصف الخمسين

اخبار الناس- دكتور كميل موسى فرام


رسالة إلى ولدي وسط عواصف الخمسين


أي بني!

ربما تلاحظ أنني أكتب اليك رسالتي السنوية بدون مقدمات أو هناك قفز متعمد عن الروتين الذي جعل من سلوكنا تقليداً متوارثاً بدون مجال لمناقشة أدبياته حيث نحتكم لأسس السلوك الأدبي والأخلاقي بدون تمرد، ولكنني أرى فيك الشخص المحاور الذي لا يستسلم لأوامر التنفيذ أو يتصرف بسليقة الأدب المغلف بثوب الشك أو الاطاعة العمياء، ويكفيني أنك قد فرضت من ذاتك بالفطرة والعفوية ومنطق التصرف الصحيح أستاذا بالمدرسة التي أتعلم منها حكم الحياة، فهناك من يعتقد أنه قد استوفى شروط الحكمة والأداء خصوصا عندما يغزو الشعر الأبيض جزء من صفحات أدائه، ليجد موقفا أو ردة فعل مبرمجة أو عفوية فيراهن على قرار يفرضه وينفذ بحكم السلطة أو العمر، قرار يرتدي حلة باهتة ويعتمد على فرضيات الخبرة والحنكة حتى إذا جاءت النتائج بعكس إرادته، فيكون من السهل تبرير تلك الخسائر والأخطاء على المحيطين، فالعمل عبر السنوات يا ولدي يكسبك الخبرات التي عليك بتوظيفها لرصف طريقك وتجعل منها درجات سلم الوصول للمجد الذي أجزم أنه واحد من أهدافك كما أرى بحركاتك وتصرفاتك وعدم اندفاعك كالآخرين، فقد علمتني حكمة الحذر من مطبات الدهر بالرغم أنني أكبرك سنا وخبرة، وها هو صوتك وسلوكك يصدح بالايمان عندما تسمع جرس الكنيسة يقرع أو آذان المسجد يعلو أحتراما لرمزية الأماكن المقدسة والمحافظة عليها، وهناك الجانب المضيء من حياتك لأنك تؤمن وتتصرف بحكمة الصدق، الصبر، الأمانة، العطاء، الاعتراف، الارادة، المحاولة، الأمل، التحصيل، والبحث، بل يكفيك فخراً انتمائك الوطني الذي جعل منك شجرة عطاء دائمة الثمرة والانتاج.

  حواراتي معك دائما لا تعترف بمفاصل العمر، بل الندية المعرفية بدون حدود وقد سعدت مرارا وشعرت بنشوة النصر عندما كنت تقنعني بوجهة نظرك التي تخالفني فيها فكنت تحرجني، واقع جعلني أفخر بك وبعث برسالة واضحة بضرورة الاهتمام بالمستقبل الذي يجعل من ذاتك بشأن مستقل، فأريدك مفكرا ومحللا تحترم الرأي الآخر وتناقش بدون تعصب، خصوصا لهؤلاء الذين لا يعترفون بخطأ وجهة نظرهم، وعليك يا ولدي أن تتذكر دائما ضرورة احترام من هم أكبر منك حتى وإن علا صوتهم لضرورة أو تجبر، حيث لا بد لهؤلاء بلحظة مراجعة مع الذات أن يقدرو عظمة التربية والسلوك، فالصمت أقوى وأكثر تأثيرا من الكلام والابتسامة لها سحر صهر جليد الجبروت وتخفيض النبرة ليتسبب هذا السلوك الحكيم بجرحٍ نازفٍ بحياتهم وكان يمكن تفاديه بكلمة أو عبارة اعتذار، بل سيصبح شبحا يهدد طرقاتهم، والابتسامة التي ترسمها على وجهك الملائكي هي أقوى تردداً وتأثيراً من مذياع جبروتهم، وتأكد يا ولدي أن هناك الكثيرون الذين يعتقدون (جهلاً أو معرفةً) بصواب خطواتهم، فحاول النصح بأدب، فإن أصغوا فأكرمهم، وإن أنكروا فأتركهم وحالهم لأن عمل الخير والنصيحة لغير المستحقين سيسبب لك الألم والندم، فإياك أن تندم حتى لو تكلفت بل إجعل من ذلك فرصة مراجعة لموقف مشابهة أو شخصية تتكرر، وتذكر أن الاعتذار عن الخطأ حكمة يطبقها العظماء بمسيرة مجدهم.
أي بني!

جيلك اليوم يعيش في عالم متقلب ومتقدم بخطى التكنولوجيا التي تتوالد عبر الأيام، فما يبهرنا اليوم يصبح وديعة في متحف التاريخ بالغد ونكاد نجهل الكثير عن الآثار السلبية والصحية، فثورة التكنولوجيا التي نعيش واقعها كان حلما لم نتوقع ترجمته بهذه السرعة بل مدته العمرية قصيرة بعرف العلماء للحكم عليه خصوصا أن العرابين لتسويقه شركات ضخمة برؤوس أموال مملوكة لجبابرة المال الذي وحدوا هدفهم بجمع ثروات للورثة من بعدهم حيث يهلكون وقفزوا عن فقرات الالتزام لتحليل مردودهم، ويقلقني جدا التنافس بينهم لأنه يفتقد لأسس الحرص علينا فنحن نهلك بسجن مخترعاتهم ولا يمكننا التمرد على مغرياتهم بما يقدمون، فذلك يجعلني أخاف على مستقبلك وجيلك وأحزن على فرص الأيام، فإن كان جيلي من الآباء في حيرة بين التمسك بمبادىء رضعناها منذ الصغر وقد اندثرت أو إرتداء ثوب المعرفة المصطنعة التي تمنع الاجتهاد لجاهزيتها، واقع لا يمكننا انكاره ويصعب علينا الاقتناع بفرضياته، ولكنه في النهاية دخل منازلنا وعقولنا واحتل جزئياتنا مع كل أسف، وأسر أبنائنا بخطواتهم لمستقبل أخشى أن يكون مضلما بجزئية يصعب العبث بأبجدياتها، لكنني بالرغم من هذه التناقضات فأنا مطمئن أنك ناصح ومدرك وتستخدم رصيدك من الذكاء حيث عهدت فيك بالخطط البديلة للأساسية بكل خطواتك حتى لا تسكن مستنقع الحيرة أبداً، فاستخدم التكنولوجيا بحذر وحكمة وخصص لها جزء محدد من الوقت، فما أحوجك لمحاكاة الطبيعة والبحث، وعليك أن لا تبعد قاربك عن شاطىء العائلة والأهل، فهم العزوة والسيف الذي يقطع دابر التحدي، يمثلون خط دفاعك الأول لغدر الأيام وجيشك المغوار لحرب البقاء لدحر المغردين والحاسدين، فهناك الكثيرون من حولنا الذين استنفذوا رصيدهم الأخلاقي وأعلنوا إفلاسهم، يجتثون على الحسد والغيرة وتصغير الانجازات بدون هدف أو نتيجة، بل سلوكا يشعرهم بالشبع لفقر أخلاقهم، وحيث أنهم جزء من عالمك المحيط فإحذر من مصائبهم، ولا تترك الساحة لأجلهم حتى لا يشعرون بنشوة النصر ولو لمرة واحدة، فهم في عداد الموتى بعد أن فقدوا أساسيات الحياة فساهم في قهرهم بنجاحك وصدقك ومحافظتك على مبادىء التربية المنزلية التي أردتها لك منذ الضغر، فحلمي يكبر معك عبر محطات الزمن فاسلك الطريق الصحيح دائما لأنه الطريق اليتيم للنجاح المطلق.

أي بني!

أحادثك دائما وأشعر بفرح عظيم يجتاحني عندما أستفسر منك عن سبب تسميتك بهذا الاسم وسر محبتي الذي يترجم معنى الأبوة التي رضعت مبادئها من عائلتي أثناء حياتنا في البيئة المنزلية المثالية بالرغم من تواضع الامكانات التي جعلت من البعض يقذف نصائحه على والدي رحمه الله لرسم مستقبل أبنائه بضرورة القناعة بوظيفة أو شهادة جامعية تتحقق بسنوات محددة وذات سقف طموح محدد، وأتلذذ عندما تدلف جوابك العفوي تكريما لوالدك الذي تمنى أن يراني قبل أن يغادرنا للفردوس السماوي، ودعني أعترف لك في هذه الجزئية ولأول مرة أنني أدمع فرحا لذكرى لن تموت ما دام القلب ينبض، ففي الفترات التي أسرق فيها الوحدة أتذكر وأبكي بالرغم من أيماني أن ذلك لن يغير من الواقع، ولن أذيع سرا أبداً أنني عندما تضيق الدنيا بوجهي وتتكاتف مآزر الزمن لتحاصرني، فأنلطق مسرعا في ساعات الصباح المبكرة أو المساء المتأخرة لزيارة والدي في قبره والتحدث معه فأرتاح بعد أن أدمع وأعود نشيطا لسماع نصيحته، وكم أنا فخور بك عندما تعنون وتضيف بجوابك تقديرك لجهودي بإسعادك وشقيقاتك حيث أنك المدرك الأكبر جيدا للتعب الذي يبذل على حساب الصحة، إبليكا لطريق يحتضن خطواتكم، يليق بكم حيث حافظتم على الوصية التي فيها من القدر، رسالة تنقل عبر الأجيال كسلوك ووقف للعائلة التي تكبر، بل أعترف لك اليوم عن مبررات حبي الأبوي المطلق اليك وشقيقاتك، حيث تغذى نبتة الذكاء فتخبرني بما أبذل وأقدم قربانا لتسهيل أمور حياتكم وفيها من الحرص الذي يهدف لإسعادي فيشعرني أن ثقتي التي أمنحها للصغير ستثمر عطاء يريحني، وقد قطفت أولى ثمارات الحرص بدخول شقيقاتك كلية الطب في الجامعة الأم حفاظا على التفوق وترجمة لأمنية جدكم قبل أن يغادر دنيانا، فقد بشرني بمستقبلكم، لتترجم الوصية كما حملناها وها أنتم تترجمون.
أي بني!

مكالماتك الهاتفية المتكررة بالرغم من عدم انتظامها منحنتني فسحة من السعادة والأمل يصعب تصوره أو ترجمته بكلمات، فربما أن تركيبة شخصيتي والحروب التي خضتها لاثبات الذات، جعلتني أن أكون مستعداً لصراع جديد دائما، فهناك سلوك مجتمعي لمحاربة الناجح والمجتهد، وهناك فقرات من التشكيك والتجريح لتقليل شأن النجاح بالدرجة الكاملة، أكسبني مناعة وجعل من ذاتي أنموذجا للتحدي ضمن الأصول الصحيحية والأخلاقية حتى إذا سمعت صوتك عبر الهاتف وتبادر بالقول أنك بهدف الاطمئنان على الصحة والعمل، لحظات نشوة تشعرني بإمتلاك مفتاح السعادة المطلقة في دنيانا التي أصبحت ضيقة لا تستوعب النوايا بدرجاتها، فكلمة بابا من فمك لها معنى آخر ومختلف، فيها الصدق والبراءة، فحافظ عليها اليوم والغد ولا تجعلها ذكرى بل امنحني اياها واقعا  وتحديدا بساعات ذروة العمل لأنها تشكل حافزا للنشاط، وتذكر يا ولدي أن الصباح لغة جميلة تهمس لنا أن الليل مهما يطول لا بد وأن يعقبه بزوغ شمس يوم جديد يمنحنا التفاؤل حيث الحياة لا تعطينا كل ما نحب ولكن القناعة تعطينا الحياة، فحياتنا بين حلم وأمنية، عيون تحلم، قلوب تتمنى، عقول تجمع المجد، فحافظ على مجد عائلتك وأبيك وانجازاتهم وتذكر أن تضيف لبنة أخرى لهذا الهرم حيث قدرك وقناعتي بقدرتك على ذلك ولدي!
              

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :