عِقْدٌ على جيد الصحراء

اخبار الناس- عِقْدٌ على جيد الصحراء
جهاد جبارة
لا بد من الاعتراف انها المرة الاولى التي تمكن فيها ذلك الخيط الازرق العريض والذي كان يمتد على مساحة شاسعة امامي من اغرائي للذهاب اليه، وكنت اعرف ان تلك الزرقة الكاذبة ستبقى تحتال مبتعدة عني كلما جُنَّنت عجلات العربة وزادت من سرعة دورانها، لقد كانت بقع زرقاء كبيرة تتخللها بقع سوداء معتمة، انه السراب الذي يوحي لعابر الصحراء بان الوصول اليه بات وشيكا لكنه لا يلبث ان يفر مبتعدا، هو لا يمانع ان تراه، وان تقوم بتصويره، لكنه يأبى ان تمسك به.. لقد جعلني ذلك الوهم مثل الذي يطارد الريح محاولا ان يقبضها بيديه.
لقد كان هذا يحدث طوال الطريق التي كنت اقطعها خارجا من قاع الجفر ومتجها شرقا في رحلة اخرى الى "سهب الابيض" في بحث عن مواقع اخرى غير "قلبان بني مرة".
ان التراب المختلط برمل القاع والذي اثارته عجلات العربة المجنونة بقي يحيط بها من كل جانب حتى اوحى لي بانه كان يقاتل بشراسة للنفاذ الى داخلها، ولعل عدم دقة اغلاق احدى النوافذ مكنت بعض التراب من العبور مما احال عملية التنفس صعبة في بعض الاحيان.
انه ومنذ تلك المرة التي وصلت فيها الى "قلبان بني مرة" انتابتني حالة من الانهزام وكنت اتساءل: "ان كانت هذه حقيقة آبار وقبور "بني مرة" فاين اذن اطلال سكناهم؟!" لهذا قررت في هذه الرحلة القيام بجولة واسعة على اكبر مساحة ممكنة من اراضي سهب الابيض علني اجد ضالتي غير ان مفاجآت الصحراء تقف في بعض الاحيان حائلاً دون اتمام المهمة، فلقد تمكنت تلك الاراضي القاسية الوعرة من اتلاف وتمزيق الدولابين الاحتياطيين اللذين كنت انقلهما معي ما جعلني اتراجع عائدا دون تحقيق كل ما كنت اسعى اليه فاكتفيت بالقليل.

العِقد الخلاب وبقايا مساكن
وعلى تلة ترتفع محاذية لوادي سهب راحت تظهر بعض العُقَد او العقيدات الحجرية – CONCRETIONS – لكنني لاحظت ان بعضها كان محطما متحولا الى شظايا ما اوحى لي بان اناسا قاموا بذلك، لذا قررت صعود تلك التلة وما ان وصلت الى اعلاها حتى راحت تظهر معالم مساكن قديمة كانت قد بنيت اساساتها من حطام العقيدات الحجرية، لقد كانت الاطلال تظهر صالات متسعة وغرفاً متعددة.
وعلى مقربة من المكان كان ثمة اكوام من قطع الحجارة وقد ظهر على بعضها "وسوم" القبائل التي سكنت ربما هناك لقد اعتراني في تلك اللحظات شعور باني اقف على موقع كان مأهولا بالسكان الذين سيبقون بالنسبة لي مجهولين دون ان تقوم جهة متخصصة بزيارة الموقع لاجراء دراسة مسحية عليه.
وعند هبوطي من اعلى ذلك التل قررت التوجه الى موقع "قلبان بني مرة" لأتبين المسافة التي يبتعد فيها الموقع عن الاخر.. لقد كانت على خط مستقيم باتجاه الشمال الشرقي وعادت الاسئلة تقرع الرأس: ترى هل هذه كانت مساكنهم وانهم كانوا يتزودون بالماء من تلك الابار التي لا تبعد عنهم اكثر من عشرين كيلو مترا تقريبا؟.. وهل ان القتال الذي نشب بينهم كان قد حدث عند موقع "القلبان" ثم امتد ليشمل مواقع السكن حيث شاهدت بعض القبور المتناثرة هنا وهناك اعلى ذلك التل؟!

هي اسئلة حائرة، فمن تراه يجيب عنها؟
وعلى تلة لا تبعد عن التلة الاولى شاهدت واحدة من اغرب الظواهر الا وهي عشرات من العقيدات الحجرية كانت جميعها بذات المقاس والشكل واللون لكن الذي يبعث على الدهشة ذلك الترتيب والاصطفاف الذي اصطف به لقد كانت تشكل عِقداً خلاباً غير مكتمل، ويستطيع من يشاهد ذلك ان يتخيلها كحبات مسبحة افلتت من خيطها، انها مدهشة الى حد لا يصدق.

العقيدات الحجرية CONCRETIONS
ان من يشاهد مثل هذه الكرات الحجرية الثقيلة والتي قد تأخذ اشكالا اخرى غير شكل الكرات فانه لا بد وان يتساءل كيف, ومما كونت, وكم من الزمن استغرقت حتى اخذت هذا الشكل, لهذا قمت بزيارة خبير الجيولوجيا الاستاذ الدكتور "هاني خوري" من الجامعة الاردنية والذي افادني ان العقيدات الحجرية انواع, فمنها الجيرية, او الصوانية, أو انها تكون قد كونت من اكاسيد الحديد, والمنغنيز, وانها اذا ما قطعت بواسطة المنشار الخاص بقص الصخور فقد يعطي داخلها مناظر خلابة, اما اذا كانت مجوفة في الداخل فإنها تسمح بنمو البلورات بحرية بحيث تصبح هذه البلورات كبيرة الحجم, وكاملة الاوجه, وعادة ما تكون هذه العقيدات في الصخور الجيرية وتنتج عن عمليات الذوبان, والترسيب في اجزاء من الصخر تسهل فيها عمليات الاحلال او الاذابة, ثم الترسيب.
وعادة ما يتم الاحلال وتكون العقيدات في الصخور الرسوبية الحاوية على المستحاثات الكبيرة أو الصخور ذات الخصائص الفيزيائية المختلفة من حيث المسامية, والنفاذية وحجم الحبيبات.
اما سبب تكوينها فيعود  الى وجود عناصر تختلف في درجة ذوبانها, فمثلاً – كربونات الكالسيوم – تذوب في الوسط الحامضي, اما _ السيليكا – فتذوب بالوسط القاعدي, وبالتالي اذا كانت طبيعة المياه المتخللة في الصخور حامضية او قاعدية فإن هذا يعني تحكمها في العناصر الذائبة التي تنتقل مع المياه المتخللة في الصخور ثم تترسب هذه العناصر حسب درجة حموضة الماء المتخلل للصخر, فتترسب – السيليكا – في البيئة الحامضية, بينما تترسب كربونات الكالسيوم في البيئة القاعدية علماً ان نفس هذه الميكانيكية تنطبق على عقيدات – الحديد والمنغنيز.
وهناك سبب اخر لتكون مثل هذه العقيدات, هو وجود بيئة مؤكسدة او مختزلة حيث تذوب هذه العناصر في البيئة المختزلة, لكنها تترسب في البيئة المؤكسدة.
ان عمر هذه العقيدات يتراوح بين عشرات الى مئات الملايين من السنين.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :