البدوية غزوة.. ترنمت بالقصيدة وترنمت القصيدة بها

اخبار الناس- كتابة وتصوير: غزوة العون

عن تلك البدوية اكتب لكم , و هي التي تشرق الشمس كل صباح لا لشيء إلا لتقبل خدها , والتي أرى بقايا الحناء الذي خالطه البياض في شعرها كعاصفة ثلجية غمرت طريقا خطته قوافل البدو يوما .
جمال جدتي البدوية ...
يقف المرء حائرا تستولي عليه الدهشة امام زمن يسابق نفسه , يلهث دون حراك من يراقب تسارع خطواته الجبارة , يمر امامه سريعا كقافلة تحمل ذكرياته و ذكريات جيله و جيل من سبقه بكل تفاصيلها , قافلة مثقلة رتبت على عجل , و غبار السنين يتبعها كظلها , تبتسم لنا ذكرى تطل من بين ثنايا تلك القافلة التي ترنو الى دار النسيان , و تلوح لنا اخرى من بعيد , و اخرى نبادلها اشاحة النظر كي لا يحزن القلب فتدمع الاعين.


اعتقد جازمةً بان جزءا لا يستهان به من تلك الذكريات ليست ملكاً لي وحدي و لا لك وحدك, فهي اشتراكية الهوى , تجمعنا شئنا ام ابينا مع بيئتنا التي خلقنا و ترعرعنا فيها و بكل مكوناتها و عاداتها و طقوسها , تدمجنا في مجتمع يبدأ من العائلة كذكرى فقدان عزيز او ميلاد ينتظره مهد الشوق و اللهفة , وصولا الى الذكرى الجماعية كرحيل البدو من موطن لأخر , و هي ايضا تحوم فوق رؤوسنا كطير في صحراء يتلهف لماء التوثيق و لا اخفيكم ان عقلي قد تلبدت غيوم افكاره منذ سنين طوال ليخرج بمشروع ثقافي جعل قلمي يمطر حبراً يسقي صفحات بيض لتعشوشب الكلمات ,و ليحط ذلك الطائر رحاله و يستقر مطمئناً . هذا المشروع جاء ليحول ذكريات بيئتي البدوية الى تاريخ , و ينقله من المحكي الى المكتوب و لأكون اكثر تحديدا فعن المرأة البدوية في بادية المملكة الشرقية اتحدث,سعياً لان اخط بقلمي و ارسم بعدستي مزاوجة بين الحاضر و الماضي و بين الاصالة و المعاصرة , من خلال كاميرا تلتقط ما يمكن ان تراه الأعين في تلك البيئة , لقطة هنا و اخرى هناك و تكتمل الصورة لتشكل مع قصة المرأة البدوية المكتوبة كتاباً كمخزن للحبوب , يلجأ اليه هذا الجيل و الاجيال القادمة في عجاف سنين فقدان بوصلتنا من الموروث الثقافي و الشعبي .


كانت البداية و اصل الحكاية من جلسات مطولة مع جدتي ، و كمستمعة كريمة لقصص و احاديث لا تمل الاذن من سماعها , تأخذني معها في رحلة عبر الزمن على بساط ريح كانت قد نسجته قديماً ،تحلق بي عالياً لأرى مضارب العز و الكرم لعبت بين بيوتها , و تهبط بي فجأة الى اودية طالما جالت في ثناياها , أشتم في حديثها عنها رائحة الشيح و القيصوم و الزعتر , تعتريني نشوة الترحال و استفيق من احلام اليقظة على تنهيدة الجدة .
لم تكن اساطير الجدة الحقيقة نهاية المطاف , بل مشعلاً انار درب شغفي بان استمر بعيداً و احث الخطى الى بقية الجدات , و أحفر عميقاً في مناجم ذهبهن لنغتني معا و نثري حنينا ممزوجاً بالفضول , من خلال العودة الى تلك الفترة التاريخية و التي اصبح جزء لا باس به منا يربطه بتلك الفترة الا هرمية شجرة العائلة لا اكثر في ظل حضارة مادية سرقت منا الكثير و تهمنا في رقميتها البحتة.
اعود مرة اخرى للجدات و العجائز و كلي ايمان بمروياتهن , و بقناعة تامة بان تلك النسوة لا يكذبن , و لماذا يكذبن؟و هن كما نعلم علم اليقين بأنهن لم يعشن حياة التنعم و الحداثة, وكيف لهن ذلك و سيرة حياتهن تنبئك بمسيرة من المعاناة و الشقاء و لعلي اختزلتهن جميعا بامرأة بدوية جمعت ما فيهن من حنين صادق و حنان جارف كسيل أحتضن دفتي وادي صحراوي , بنتاً للصحراء و أما للفرسان.


تلك البدوية التي ترنمت بالقصيدة و ترنمت القصيدة بها .
تلك البدوية وذلك الخليط العجيب من نعومة كثبان الصحراء و ضبابية معطرة كعبق بخور قادم من مكة , قاسية كأحجار أوديتها , ندية كزهرة ودحنون تستظل بصخرة يتيمة .
تلك البدوية المنيرة كقمر في ليالي تموز , منقوش على تقاسيم وجهها و يديها تاريخ جاء على شكل وشم ابدي زادته تجاعيد العمر جمالاً.
عن تلك البدوية اكتب لكم , و هي التي تشرق الشمس كل صباح لا لشيء إلا لتقبل خدها ,و التي أرى بقايا الحناء الذي خالطه البياض في شعرها كعاصفة ثلجية غمرت طريقا خطته قوافل البدو يوما .
انظر عاليا الى قدميها المكسوة بحناء من لون تراب سارت عليه يوما في ليلة شتوية و بكت فيها مليا تحت المطر حتى لا تنكسر امام قسوة و جبروت نفسها و كبريائها , تعود بعده محملة بحطبها أو بزادها و متاعها , و حينما تعود يبسم سنها لنا كبرق يكاد سنى نوره يأخذ بالألباب .
تلك البدوية تشع نارا و نورا . حملت السيف و المرود , أخت الرجال و أمهم .تلك البدوية تدق وتدها في ذاكرتنا كما دقت وتد بيتها يوما, لتقول انا باقية هنا ما دام في البقاء خير و راحلة يوما لان الرحيل خل البدو الوفي و المقيم فيهم .
تلك البدوية اخبرتني بكثير مما ستجدونه في ثنايا كتابي ,جادت علي بكل ما ارادت و تريد , و كأني أرى لمعان عينيها يقسم بصدق ما يتلوه لسانها من ترانيم أشبه ما تكون بشعر معتق و حداء راع للعيس يذوب شوقا.
تاريخ البدو اندثر منه جزء ليس بالهين أبدا, لعوامل عديدة اهمها طبيعته الشفوية , والبدويات كجزء من هذا المجتمع الرحال لابد من الحفاظ على تراثهن و تراثنا , و قلائل هم من وجد تاريخهن من يحنو عليه , فوجدت لزاما علي أن أسعى لأكون الابنة البارة ما استطعت الى ذلك سبيلا بتوثيق فترة تاريخية في بقعة مكانية محددة متمثلة في المرأة البدوية في البادية الشمالية الشرقية كي لا يضيع عبقهن التراثي هباء منثورا.

التاريخ :




التعليقات

إضافة تعليق

الرجاء النقر على المربع قبل ارسال التعليق :